الجزء الأول: المعاقبة على الجنسية المثليةأو « هوموفوبيا» القاعدة القانونية

«عبر العالم، يُسجن الجنسيون المثليون تطبيقا للقوانين التي تنظم الحميمية داخل غرف النوم وتحول قبلة إلى جريمة جزائية»159.
في كل مجتمع يحدد القانون الجزائي حدود السلوكيات الجنسية المباحة، مقيدا على هذا النحو، التعبير عن الرغبة الجنسية وإشباعها بقدر ما يكون هذا ضروريا لضمان حقوق الآخرين. وتتباين هذه الحدود من ثقافة إلى أخرى وتتطور على مر التاريخ.
وفي هذا الاطار تندرج المادة 230 من القانون الجزائي التونسي160 الذي ينص على أن اللواط أوالمساحقة إذا لم يكن داخلا في بأية صورة من الصور المقررة في الفصول السابقة المتقدمة يعاقب مرتكبه بالسجن مدة ثلاثة أعوام»()161.
وتطرح المعاقبة على الفعل الجنسي المثلي المؤكدة في الفصل 230 من القانون الجزائي مجموعة من المشكلات القانونية المرتبطة من جهة بالفعل الجنسي المثلي ذاته (اللواط)، وهو عنصر مادي لجنحة الجنسية المثلية، وبجوانب هذا التجريم، بموقف القاضي. (الفقرة 1). ومن جهة أخرى فإن هذه المشكلات مرتبطة بأسس مختلفة للمعاقبة على السلوكيات الجنسية المثلية وهي أسس يبدو أنها مرتبطة باعتبارات بعيدة ذات طابع ديني واجتماعي بل حتى ميثولوجي. (الفقرة 2).

الفقرة 1: «اللواط»، فعل مجرَّم

لا تحدد ألفاظ المادة/ الفصل 230 من القانون الجزائي بدقة معنى اللواط. إلا أنها تجرم الفعل الجنسي بين الذكور (اللواط) وبين الإناث (المساحقة أو السحاق).
وتبين هذه التدقيقات التي أتى بها النص القانوني نية حازمة على تجريم السلوك الجنسي المثلي بين الذكور أو بين الإناث. وتتعلق تدقيقات أخرى أتى بها هذا الفصل بالتمييز بين السلوك المثلي المشار إليه في المادة 230 والسلوكيات التي تنطوي على اعتداء على الأخلاق الحميدة والمشار إليها في كل القسم 3 (الفصول من 226 إلى 230 من القانون الجزائي).
وعلى هذا النحو يجري الوصول بنا إلى تعيين الحدود الخارجية لموضوع السلوك الجنسي المثلي للفصل 230 من القانون الجزائي وهذا من خلال تمييزه عن الجنح الأخرى، الموصوفة بأنها اعتداءات على الأخلاق الحميدة من أجل التدقيق في معنى الأفعال الجنسية المثلية في القضاء والفقه التونسيين.

أ- الفعل الجنسي المثلي متميز عن الأفعال الأخرى المخلة بالآداب العامة
يميز الفصل/ المادة 230 من القانون الجزائي السلوك الجنسي المثلي (اللواط) عن السلوكيات الأخرى التي يصفها الفرع 2 بالاعتداء بما ينافي الحياء 162. وبالفعل فإن جنحة الجنسية المثلية يعاقب عليها عندما لا تدخل في أي صورة من الصور المقررة بالفصول المتقدمة.
- تتميز جنحة الجنسية المثلية في المقام الأول عن جنحة التجاهر بفحش المقررة في الفرع الأول في فصله الوحيد 226163، ذلك أن جنحة الجنسية المثلية المقررة في الفصل 230 هو سلوك مرتكب سرا164.
- تتميز جنحة الجنسية المثلية بعد ذلك عن جريمة المواقعة/الاغتصاب المرتكبة بواسطة أو بدون عنف على شخص من جنس الأنثى، من جانب شخص من جنس الذكور165. وفي هذا المستوى فإن الاغتصاب لا يمكن أن يؤخذ بعين الاعتبار إلا بين شخصين من جنسين مختلفين دون رضا شخص الأنثى166.
- وأخيرا تتميز جنحة الجنسية المثلية عن جريمة الاعتداء بالفاحشة المرتكبة ضد شخص من جنس أو آخر دون رضا167. وعند هذا المستوى تكون جريمة الاعتداء بالفاحشة فعلا مرتكبا دون رضا الضحية أو بدون استخدام العنف. غير أن الأمر لا يتعلق بجنحة الجنسية المثلية التي ترتكب برضا شخصين بالغين168.
نستنتج إذاً أن جنحة الجنسية المثلية ترتكب سرا بين شخصين من نفس الجنس متراضيين وبالغين يبلغ كل منهما على الأقل ثمانية عشر عاما كاملة على الأقل169.
وحيث إن الأطر الخارجية لجنحة الجنسية المثلية محددة على هذا النحو فإنه يبقى أن نتساءل عن العنصر المادي الذي يؤلف هذه الجنحة.

ب- العنصر المادي لجنحة الجنسية المثلية
ما هي الأفعال التي يصفها القانون باعتبارها جنسية مثلية؟
إن المشكلة أكبر من مشكلة الأفعال الجنسية المثلية. وسوف نتساءل في الواقع عن ما هي الأفعال أو السلوكيات المرتكبة بين شخصين من نفس الجنس التي يمكن اعتبارها فعلا فاحشا. يكون بذلك مخالفا للقانون وقابلا للعقاب الجزائي.
وهذا الخيار يفرضه سببان:
نظرا لتشابه الأفعال الجنسية المثلية والفعل الفاحش بين الرجال ستكون دراسة جنحة الجنسية المثلية أغنى عبر المماثلة والتوازي مع دراسة الأفعال الفاحشة.
وهناك عدد محدود جدا من الأحكام وبصورة خاصة من قرارات محكمة التعقيب/النقض (التمييز) بشأن جنحة الجنسية المثلية ولكن مع وجود أحكام قضائية غنية بشأن الاعتداء بالفاحشة بين أشخاص من نفس الجنس.
ويكشف فحص القضاء التونسي ابتداءً من 1960 تطورا مستمرا لمفهوم فعل الفاحشة170.
وقد انتقل هذا التطور من الفعل الجنسي الخالص (الاعتداء على الأعضاء الجنسية للشخص) إلى الفعل الذي له دلالة جنسية حتى إذا اشتملت على أعضاء من الجسم بخلاف الأعضاء الجنسية.
غير أن ما هو ثابت في هذا القضاء إنما هو الفعل الجنسي المقصود في القسم الخاص بفعل الفاحشة وذلك المرتكب على جسم الشخص نفسه (سواء أكان ضحية لفعل الفاحشة الفصل 228 و228 مكرر، أو مرتبطا بجنحة الجنسية المثلية الفصل 230 من القانون الجزائي). وعلى هذا النحو تميز محكمة التمييز/التعقيب فعل الفاحشة عن التجاهر عمدا بفحش (الفصل 226 من القانون الجزائي).
والواقع أن مفهوم الفعل الجنسي بين أشخاص من نفس الجنس لا يبدو واضحا جدا. وبالفعل فإن الظروف التي تحدث فيها الأفعال الجنسية المثلية لها أهمية كبيرة في تحديد العنصر المادي لهتك العرض، وكذلك العنصر الأخلاقي القصدي في هذه الأفعال.

1- أفعال تقع على الأعضاء الجنسية أو الفعل الجنسي الخالص
في أحكامها القضائية تعتبر محكمة التمييز كل فعل مرتكب مباشرة على الأعضاء الجنسية لأشخاص من نفس الجنس على أنه يشكل فعل فاحشة 171.
ويشكل جزءًا لا يتجزء من هذه الأفعال الإيلاج الشرجي مع القذف172، والاستمناء والقذف عند مستوى الشرج173، وكذلك مَصّ العضو التناسلي174. وينطبق الشيء نفسه على ما يتعلق بخلع بنطلون الشخص المعني ومداعبة شرجه175.
إن هذه الأفعال التي لها بصورة مباشرة علاقة بالأعضاء التناسلية176 يجري ارتكابها بقصد تحقيق نوع من اللذة الجنسية، تستجيب لرغبة يعاقب عليها القانون. وعند هذا المستوى، لا يمكن أن يكون السعي إلى اللذة وفقا لمحكمة التمييز مخالفا للقانون أو للأخلاق الحميدة أو بفعل فاحش.

2- أفعال تقع على الجسم بخلاف الأعضاء الجنسية: أفعال ذات دلالة جنسية
منذ 1966177 تم إدخال توسيع مفهوم الاعتداء بفعل الفاحشة لتأسيس ولاية قضائية ثابتة لمحكمة التعقيب.
وكان من تأثير هذا التوسيع مدّ مفهوم فعل هتك العرض و الاعتداء بفعل الفاحشة ، ولهذا السبب قام على تطبيق الفصول المجرمة على هذه الأفعال وبصورة خاصة المواد 237 وما تلاها من المجلة الجزائية. وكانت هذه القراءة المكثفة لعبارات القانون الجزائي متضمنة عبارات هذه الفصول: «المواقعة» كما في الفصل 227 مكرر، «فعل الفاحشة»، الفصلان 228 و228 مكرر و»اللواط» في الفصل 230. وأمام هذه الألفاظ والتعبيرات التي هي في آن معا واسعة ومبهمة، قررت محكمة التمييز في 1981 : «لئن لم يحدد القانون ماهية جريمة الاعتداء بفعل الفاحشة على الغير فإن فقه القضاء استقر على أنها تتكون من كل فعل خادش للحياء مسلط على ذات الشخص للنيل من عرضه ولا لزوم لأن يكون ذلك الفعل واقعا بالفعل التناسلي وعلى عورة المجني بالذات بل إن مجرد التقبيل المتكرر الذي يشتم منه القصد الجنائي يعتبر من هذا القبيل».»178.
وفي القضية نفسها انتهت محكمة التمييز إلى أن التقبيل الذي يحمل دلالة جنسية يُعتبر فعلا ينطوي على هتك للعرض، وهذا ما عززته في 1994 المحكمة ذاتها179.
وهو ما يذكرنا برأي منظمة العفو الدولية التي تنتقد القوانين التي تحوِّل قبلة إلى جريمة جزائية180. وفي هذا الإطار ذاته، يجري تحويل المداعبات أيضا إلى جنح يعاقب عليها القانون181.
وإذا كانت الأفعال المرتكبة بواسطة أو على الأعضاء التناسلية تشكل أفعالا جنسية خالصة تنطوي لهذا السبب على تطبيق آلي للفصول المجرِّمة للسلوكيات الجنسية غير المشروعة، فإن الأفعال التي لا ترتبط بهذه الأعضاء تظل محرَّمة وفقا للمحكمة بسبب مظهرها غير المحتشم، الأمر الذي يشهد على «نية فاحشة»، «وفحش أو فجور...»، وبالتالي فإنه تجري محاكمة النوايا، إذا كانت الأفعال لا تشهد على فحش كاف.
وقد أبدى القاضي الجزائي (وبصورة خاصة محكمة التعقيب/التمييز) روح المحافظة بصورة بالغة على توسيعهما لمجال «الفعل الفاحش»، في حين أن التطبيق الجيد للقوانين الجزائية يقتضي تفسيرا حصريا ضيقا.
وعلى كل حال ينبغي أن نتذكر أن الظروف التي يرتكب فيها الفعل الفاحش يمكن أن تسمح لقاضي الموضوع بأن يدقق في ما إذا كان الفعل المرتكب يرتبط أو لا يرتبط بمجال «الأفعال الفاحشة». وعلى هذا المستوى أيضا يسود الموقف المحافظ حتى «في دورات مياه الفنادق» حيث اعتبرت محكمة التمييز شخصا يتبول دون أن يخفي عضوه الجنسي في وجود شخص آخر مرتكبا لفعل فاحش ومُخِلا بالآداب العامة182!
وهكذا ننتهي إلى اتجاه محافظ ومقيد للأفعال الجنسية المرتكبة سرا بين البالغين المتراضين. ويدفعنا هذا الاتجاه الذي أرساه القانون الجزائي في 1913 ولكن بصورة خاصة محكمة التمييز (التعقيب) ابتداءً من 1960 إلى إمعان النظر في أسس هذه الفوبيا القانونية بشأن الجنسية المثلية.
الفقرة 2: أسس تجريم الجنسية المثلية

نصت المادة 230 من القانون الجزائي على أنه : «اللواط أو المساحقة إذا لم يكن داخلا في أي صورة من الصور المقررة بالفصول المتقدمة يعاقب مرتكبه بالسجن مدة ثلاثة أعوام»هذه هي القاعدة التي تنتج عن تجريم الجنسية المثلية بين الذكور أو بين الإناث. وهذه الحالة ليست قاصرة على تونس فقط.
وبالفعل فإن سبعين دولة على الأقل قد «دخلت القرن الحادي والعشرين بتشريعات تشتمل على نصوص تحظر العلاقات الجنسية المثلية»183. وفي بعض البلدان يجري تجريم العلاقات الجنسية المثلية بين البالغين المتراضين تحت تسميات مختلفة «اللواط»، مثل الحالتين التونسية والجزائرية184، «جريمة ضد الطبيعة»185. «أفعال منحرفة»186. وفي أماكن أخرى تقع مختلف الأفعال الجنسية المثلية تحت طائلة القانون بسبب توجيه اتهامات غامضة: «أفعال لا أخلاقية» أو «فضيحة عامة»187، «معاشرة للمنحرفين»188.
ويطرح تجريم الأفعال الجنسية المثلية بين أشخاص بالغين متراضين مشكلة أسس قمع يمكن أن يصل في عديد من الدول إلى عقوبة الإعدام189 أو حتى عقوبات تحرم من الحريات الشخصية من عشرة190 إلى عشرين عاما أو عقوبة جلد191.

ما هي إذن أسس تجريم الجنسية المثلية؟
لا تحيل قراءة الفصل 230 من القانون الجزائي إلى أي أساس ظاهر إلا إذا كان تعبير «اللواط» مقصودا باعتباره أساسا مرتبطا بالقرآن الكريم والكتب السماوية. ويمكن البحث عن أساس التجريم ratio crimitalis في نفس عنوان القسم 2 من القانون الجزائي (الإخلال بالآداب العامة) وفي الفقرة 2 المعنونة (هتك العرض)، التي يمكن أن تقدم الأسس المرتبطة بالأساس الاجتماعي ratio socialis.
ويمكن أن يكشف فحص الأحكام القضائية عن بعض أسس تجريم هذا الفعل. وتتحدث بعض القرارات القضائية عن «فعل ضد الطبيعة»، «فعل فاحش، شائن، ...يحط من كرامة الإنسان».
وأخيرا، فإن بعض الكتابات الفقهية تتطرق إلى الأفعال الجنسية المثلية والأفعال ضد الطبيعة والأفعال المخالفة للدين والأفعال الخطرة على الحياة الاجتماعية.

أ- نص القانون يحيل إلى الاصطلاحات «الدينية»

النص الفرنسي للفصل 230 من القانون الجزائي يشير مستخدما تعبير 192»السدومية» إلى تدمير مدينة «سدوم» التي مارس سكانها الجنسية المثلية. وبنفس الطريقة يشير النص العربي مستخدما تعبير اللواط, إلى النبي لوط الذي شهد تدمير سدوم. ويبدو أن النصين يشتركان في مرجع ديني واحد فيما يتعلق بإضفاء الطابع الجزائي على الجنسية المثلية.
وعند هذا المستوى يطرح السؤال نفسه بشأن معرفة تأثير الدين على تنظيم الجنسية المثلية؟ وسوف نلاحظ، قبل كل شيء، أن «مفهوم الجريمة يرتبط ارتباطا وثيقا بمفهوم الخطيئة»193، غير أن هذه الصلة ليست واضحة مطلقا في القانون الجزائي وبصورة خاصة فيما يتصل بتجريم الجنسية المثلية بين الإناث أو بين الذكور.

1- صلة ظاهرة بين القانون والدين في تجريم الجنسية المثلية:
«وإذا اضطجع رجل مع ذكر اضطجاع امرأة فقد فعل كلاهما رجسًا. إنهما يقتلان. دمهما عليهما»194. وقد قاد هذا الرجس إلى تدمير سدوم، هذه المدينة التي عُرفت بشيوع ممارسة الجنسية المثلية195. ومن هنا كتب «ولا تضاجعْ ذكرا مضاجعة امرأة إنه رجس»196. وهذه القصة نفسها استعادها القرآن في سور عديدة وصفت بالتفصيل تدمير مدينة لوط197. والواقع أن هذه العلاقة بين إضفاء الطابع الجزائي على الجنسية المثلية والخطيئة والتي نص عليها الدين تذكر بالفقه التونسي الذي انشغل بصورة مباشرة أو غير مباشرة بمسألة أن الفصل 230 من القانون الجزائي يعكس تأثير الشريعة على القانون الجزائي. ومن هنا فإن تجريم الجنسية المثلية يتفرع عن حظر الإسلام للممارسات الجنسية المثلية بين الإناث أو بين الذكور198. غير أن العلاقات بين الفصل 230 والشريعة ليست واضحة.

2- عقوبة جنحة الجنسية المثلية تعود إلى قواعد الشريعة !
إذا كان الفصل 230 من القانون الجزائي قد نص على عقوبة لمدة ثلاثة أعوام من السجن في حالة جنحة الجنسية المثلية فإن ذلك لا يتوافق مع فئة كبيرة من علماء الشريعة والتي تنزل عقوبة الإعدام بمرتكب الفعل الجنسي المثلي. وبالفعل فإنه إذا كان القرآن لم يحدد بدقة عقاب الجنس المثلي واقتصرعلى عقاب قوم، فقد اعتبرت السنة، أيْ أقوال وأفعال النبي محمد، الرجال والنساء الذين يمارسون اللواط أو السحاق زناة وأنزلت عليهم عقوبة الزنا199.ونلاحظ أخيرا أن بقايا من هذا التنظيم الشريعي تظهر دائما في قوانين بلدان إسلامية عديدة (المملكة العربية السعودية، ماليزيا، الشيشان في قانونها الجزائي الإسلامي، إيران، السودان...). أن القانون الجزائي التونسي ذاته إذا كان يجرم الجنسية المثلية معتبرا إياها جنحة فإنه لا يخصص أية عقوبة تشير إليها الشريعة: القانون الجزائي التونسي يميز نفسه عن قوانين الشريعة. وتجريم المثلية من جانب القانون الجزائي نفسه لا يجد أسسه في القانون الإسلامي.200. ولكن إذا كان أساس إضفاء الطابع الجزائي على الجنسية المثلية ليس أساسا دينيا، فعلى أيّة قاعدة يجرم المشرّع الجنسية المثلية ؟

ب- الفعل الجنسي المثلي جريمة ضد الطبيعة؟

أوضح فحص الأحكام القضائية والفقه التونسي في هذا الإطار201 أن الفعل الجنسي المثلي يوصف بأنه سلوك ضد الطبيعة202.
وينطبق هذا الشيء نفسه على الأحكام القضائية الجزائية (في إطار تطبيق المواد 227 وما تلاها من القانون الجزائي) والقضاء المدني (في إطار تطبيق المادة 23 من قانون الأحوال الشخصية المتصل بالواجبات الزوجية) التي أجمعت على النظر إلى الفعل الجنسي المثلي على أنه فعل ضد الطبيعة.
والواقع أن موقف الاحكام القضائية ينبع من منطق بعينه يقيم تمييزا بين الفعل الجنسي الطبيعي والفعل الجنسي ضد الطبيعة. ويتعلق هذا التمييز في آن واحد بالعلاقات الجنسية الغيرية والعلاقات الجنسية المثلية.

1- العلاقة الجنسية الطبيعية
في منطق القاضي لا تكون العلاقة طبيعية وبالتالي مشروعة ويعترف بها القانون إلا إذا كانت علاقة بين رجل وامرأة في إطار الزواج وهذا بما يتفق مع أحكام المادة 23 من قانون الأحوال الشخصية الذي ينص: «على الزوجين أن يقوما بواجباتهما الزوجية حسبما يقتضيه العرف والعادة».
وقد أفسح تفسير هذا الفصل المتصل بالعلاقات الجنسية في إطار الزواج في المجال لأحكام قضائية شبه إجماعية لتحديد الأفعال الجنسية المشروعة والأفعال الجنسية غير المشروعة في إطار الزواج. وعلى هذا فإن القاضي، وبواسطة المادة 23 من قانون الأحوال الشخصية، يمد سلطته في التنظيم إلى غرفة نوم الأزواج المرتبطين بصورة شرعية.
ويتخذ هذا التنظيم للعلاقات الجنسية الزوجية شكله الأكثر وضوحا في حكم أصدرته محكمة الاستئناف في مدينة سوسه203 في 30 إبريل 1997 حيت اعتبر القاضي أن واجب الزوجة هو السماح لزوجها بالحصول على المتعة «عن الطريق الطبيعي» دون أن يكون هناك «فعل فاحش» من خلال «أفعال فاحشة»، «بذيئة» أو «شنيعة» أو «شائنة».
وعلى هذا فإن العلاقة الطبيعية لا ينبغي أن «تغير الأوضاع بين الزوجين».
وبالتالي فإن العلاقة الجنسية التي تتم بقصد الإنجاب هي وحدها المبررة وهذا فقط في إطار الزواج204. وهذا النهج المقيد للعلاقات الجنسية بين الزوجين كان له تأثيره بالتأكيد على مفهوم العلاقات ضد الطبيعة.

2- العلاقة الجنسية ضد الطبيعة
إذاً إن العلاقات المهبلية وحدها بين الرجال والنساء ترتبط بمجال الأفعال الطبيعية. وعلى هذا النحو فإن كل فعل خارج هذا الإطار يُعتبر فعلا ضد الطبيعة حتى إذا كان بين الرجل والمرأة بل حتى بين الزوجين.
وعلى هذا المستوى فإن محكمة التعقيب (التمييز)205 في حكمها في 5 ديسمبر/كانون الأول 1996 قررت أن الفصل 228 المتعلق بجريمة الفعل الفاحش ينطبق أيضا على الزوجين في وجود عقد زواج «هذا العقد، وفقا للمحكمة لا يبيح إلا العلاقات الجنسية الطبيعية ولا يبرر العلاقات الجنسية المنحرفة»206. وتذهب محكمة التمييز إلى حد الحكم بأن الزواج بين المعتدي وضحية الفعل الفاحش لا يوقف إجراءات الاتهام207. وفي حين أنه في إطار جريمة اغتصاب (علاقة مهبلية وبالتالي طبيعية ولكن غير مشروعة) يوقف الزواج الدعوى (الفصل 227 مكرر من القانون الجزائي). وعلى هذا النحو فإن كل فعل آخر غير مهبلي وبين الرجل والمرأة يعتبر ضد الطبيعة ويستتبع لهذا السبب تطبيق المواد 228 وما تلاها من القانون الجزائي الذي يجرم أعمال هتك العرض ويعتبرها جريمة تستوجب عقوبة تصل إلى ما بين السجن خمسة أعوام والسجن مدى الحياة.
وفي هذا الإطار القضائي المعادي لكل علاقة جنسية بخلاف العلاقة الجنسية بين قضيب رجل ومهبل امرأة، فإن الأفعال الجنسية المثلية لا يمكن اعتبارها إلا سلوكيات ضد الطبيعة naturum- contra.208 والواقع أن هذا التصور للفعل ضد الطبيعة يجد جذورا بعيدة في الطبيعة عند أفلاطون. وبالفعل فإنه في «القوانين» أدخل أفلاطون مفهوم فكرة أن العلاقات الجنسية بين رجال هي ضد الطبيعة para physin ويقترح حظرها معترفا بأن مثل هذه القاعدة ستكون مخالفة للعرف والرأي العام.
وفي هذا النص «نجد الصياغة المكتوبة الأولى لإدانة الجنسية المثلية وإخراجها خارج البشرية»209.
وسوف يجري أيضا تفسير هذا المفهوم على أنه تبرير للحظر ضد السدوميين من جانب القانون الكنسي والقانون الجزائي القروسطي في أوروبا210. وتشكل الأفعال الجنسية المثلية بالتالي جزءًا من مجال أوسع، أيْ الأفعال ضد الطبيعة التي يمكن أن تكون جنسية غيرية أو جنسية مثلية.
وعلى هذا النحو فإن الفعل الجنسي «يشكل بالنسبة للقانون رهانا رمزيًا.ويطرح بالفعل مسألة معرفة ما إذا كانت القواعد القانونية وبصورة خاصة الجزائية يمكن أن تحدد ما هو النمط المشروع للتعبير عن الرغبة؟»211. وتحديد الممارسات الطبيعية من الممارسات ضد الطبيعة. وأمام المشكلات التي يطرحها مفهوم العلاقات الجنسية ضد الطبيعة، إذ أنه ليس من السهل إبراز الحدود الواضحة بين ما هو طبيعي وما هو ضد الطبيعة، فإن بعض الأحكام القضائية التي تتبعها بعض الكتابات الفقهية ترى في العلاقات الجنسية المثلية تهديدا ضد المجتمع.

ج- الفعل الجنسي المثلي هل هو تهديد للمجتمع؟

تقدم بعض الكتابات المكرسة لمسألة الفعل الجنسي المثلي بمجموعها موضوعات تجعل من تجريم الجنسية المثلية أساسا اجتماعيا. والواقع أن أقدم مقالة في هذا الشأن ترجع إلى 1973 وتدعو إلى تعزيز المادة 230 من القانون الجزائي ومدّ تطبيقه إلى كل التعبيرات اللاأخلاقية عن الرغبة الجنسية بقصد «النضال ضد الإنحرافات الجنسية» و»الوقاية ضد الجنسية المثلية» و»الكفاح ضد الانحراف الأخلاقي» بقصد حماية المجتمع.212
وفي نفس الاتجاه، أدان عدد من القضاة في إطار أعمالهم البحثية الأفعال الجنسية المثلية لأسباب اجتماعية.
وبالتالي فإن جرائم الجنسية المثلية تشكل «اعتداء على الجماعة». وهذه الأفعال «تهدد قيم المجتمع وتفضي إلى تدهور في الأخلاق وتسهم في نشر الرذيلة والفجور»213 ولتبرير الأساس الاجتماعي لتجريم الجنسية المثلية هناك من أكد أنه في جريمة الجنسية المثلية لا يوجد ضحايا بقدر ما يكون الفعل قد ارتكب من جانب بالغين متراضين.
وعلى هذا النحو، تبقى الضحية الوحيدة هي الجماعة المصابة في قيمها الأخلاقية214. وبالتالي يعود إلى «القانون وبصورة خاصة القاضي أمر مكافحة هذه الآفة والحيلولة دون انتشار هذه الأفعال المشينة في المجتمع. فالأمر يتعلق إذأً باختصاص القاضي بإدانة الأفعال الجنسية المثلية وحماية المجتمع»215.
ولذلك تشكل الجنسية المثلية رهانا قيميا يطرح مشكلة حدود تحويل القيم الاجتماعية إلى معايير متفق عليها: فهل يمكن للقانون الجزائي أن يحدد ويقرّ كانحراف قمعي شكلا للجنسية الهامشية ولكن معياريا من الناحية السوسيولوجية، أيْ ثابتا وقابلا للتوقع216؟
وكانت لحلول هذه المشكلات في القانون المقارن إجابات طبقت الأساس الاجتماعي إذ هي تضطهد كل حرية في اختيار التعبير عن الرغبة الجنسية. ولكن وأمام تطور الأسباب الاجتماعية، وتطور الآداب والقيم217، جرى دفع القانون إلى أن يتكيف مع مواقف جديدة وقيم أقل إكراهية على مستوى العلاقات الجنسية.
وعلى هذا النحو فإن الأساس الاجتماعي قد انتقل من شكله الأكثر حدة في أوروبا القرن الحادي عشر إلى شكله الأكثر اعتدالا والأكثر عقلانية في أوروبا القرن العشرين، مما جعل الجنسيين المثليين ينتقلون من وضع الخارجين على القانون الجنسي إلى وضع المواطن الكامل الأهلية الذي لا ترتبط خياراته الجنسية إلا بالرغبة فيها.
وقد أدان الأساس الاجتماعي الأفعال الجنسية المثلية باعتبارها جرائم ضد الجماعة وأنزلت بها خلال ثلاثة قرون طويلة العقوبات الأكثر بشاعة.
وكان هذا المفهوم للجريمة ضد الجماعة صريحا بصورة خاصة في المدن الإيطالية للقرن الحادي عشر218. وعلى هذا النحو، كان الشعار في سيينا في عام 1325 هو «البحث عن السدوميين وطردهم بهدف إكرام الرب، وتأمين السلام، والمحافظة على أخلاق حميدة، وحياة تستحق الثناء»219.
غير أن الأساس الاجتماعي الذي يبرر دائما القوانين الجنائية، والتحريمات، والعقوبات، استطاع أن يكتسب وجها أكثر إنسانية ولكن وبصورة خاصة أكثر عقلانية، وهذا على وجه الخصوص مع الدور الذي تلعبه اليوم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
وبالفعل فإنه في القضية المسماة دادجيون ضد/المملكة المتحدة Dudgeon c/ Royaume Uni في 22 أكتوبر /تشرين الثاني 1981 أقرت المحكمة بأن التشريع الآيرلندي الشمالي يشكل تدخلا دائما في الحياة الخاصة. وقد رفضت المحكمة موقف الحكومة البريطانية التي أكدت أن هذا التدخل تبرره ضرورات حماية الأخلاق وحقوق وحريات الآخرين (الأساس الاجتماعي). وتبين للمحكمة أن هذا التدخل ليس ضروريا في مجتمع ديمقراطي ولاحظت أنه ليست هناك حاجة اجتماعية ملحة لاعتبار الأفعال الجنسية المثلية جرائم جنائية220.
وهذا الأساس الاجتماعي الذي أفضى إلى تجريم الفعل الجنسي المثلي لا يبدو أنه أساس ثابت، فالحياة الاجتماعية تنشأ ويتطور معها القانون والقيم الاجتماعية. وعلى هذا النحو، فإلى جانب حماية حقوق الغير، والحالة هذه في المجتمع بأسره، فإن القانون الحديث بما في ذلك القانون الجزائي يحدد كهدف حماية الحياة الخاصة وحماية حق الاختلاف.
وقد اتخذ هذا البعد الجديد أهمية مع إقرار القانون لحميمية العلاقات بين الأشخاص، وبصورة خاصة عندما يتعلق الأمر بالعلاقات بين البالغين المتراضين سواء أكانوا جنسيين غيريين أو جنسيين مثليين.
ونستعيد بالتالي السؤال الذي طرحه بيير لاسكوم Pierre Lascoumes: الجنسية المثلية هل هي آفة اجتماعية يكون من واجب الدولة عرقلتها في غياب القدرة على القضاء عليها! أم أن الأمر يتعلق بتدخل, بدون وجه حق, من جانب القانون في الخيار الأكثر حميمية، لجنسانيته221؟
وأخيرا ماذا يمكن أن تكون حدود تجريم الأفعال الجنسية المثلية بين البالغين المتراضين؟