خاتمة من التجريم، إلى التسامح، إلى المساواة في الحقوق

تطرح العلاقات الجنسية المثلية القائمة سرا بين أشخاص بالغين ومتراضين، مشكلة تتعلق بالقاعدة القانونية بالعلاقات والأفعال الجنسية. وتطرح في هذا الشأن مسألة علاقة ما إذا كان للقانون الحق في تحديد الطريقة المشروعة للتعبير عن الرغبة271.
وقد اتخذت الإجابة على هذا السؤال أشكالا مختلفة، تبدأ من التجريم (مثل المادة 230 من القانون الجزائي التونسي)، إلى التسامح الذي أملاه تطور مفهوم الحياة الخاصة، إلى مرحلة أخرى أكثر تقدما، من المؤسف أنه لم يجر إقرارها في القانون التونسي، تقوم على تساوي الحقوق بين جميع المواطنين سواء أكانوا جنسيين غيريين أم جنسيين مثليين.
وقد جرت منهجة هذا الانتقال من التجريم إلى التسامح إلى المساواة في الحقوق عن طريق الفقه الذي استند في ذلك إلى الدور الأساسي الذي يلعبه المجلس الأوروبي والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. والذي يعكس تطور المعايير الاجتماعية والقانونية272.
وبالفعل فإننا إذا انطلقنا من فكرة أن الجنسية الغيرية هي المعيار وأنها تمثل النمط الوحيد للسلوك الجنسي والاجتماعي (المعياري)، فإن القاعدة القانونية سوف تعكس بالضرورة هذه المسلمة وسوف يتم تعريف الحقوق وفقا لهذا المعيار.
وقد ميز هذا النهج وما زال يميز عددا كبيرا من البلدان والنظم القانونية عبر العالم (وهذا ما يشهد عليه القانون التونسي مثلا. وعلى أساس هذه الحجة كان موقف المحاكم الأوروبية من 1955 إلى 1977 وبصورة خاصة المجلس الأوروبي لحقوق الإنسان يتميز برفض الالتماسات المقدمة ضد تحريم العلاقات الجنسية المثلية. وبالفعل فإنه خلال هذه الفترة اعتبر المجلس أنه إذا كانت الحياة الجنسية تتعلق بميدان «الحياة الخاصة» بالمعنى المقصود في المادة 8 من العهد الأوروبي لحقوق الإنسان، فإن تدخلات الدول المتعاقدة في هذا القانون التي تمثلت في تجريم العلاقات الجنسية يبررها السعي إلى غايات «مشروعة» في المادة 8 الفقرة 2 والتي تتعلق «بحماية الصحة العامة والأخلاق»273. وبذلك حق للدول حماية الصحة العامة والأخلاق وذلك بتجريم/أو تحريم المثلية.
ويمكن أن نقرأ عند هذا المستوى أن «العهد الأوروبي لحقوق الإنسان يسمح لدولة متعاقدة بأن تعاقب على الجنسية المثلية، شرط أن ينص على ذلك القانون والذي يهدف لحماية الصحة العامة والأخلاق»274.
وفي مرحلة ثانية ومن وجهة نظر التسامح وباسم الحرية الفردية، لم تعد الجنسية المثلية معاقب عليها جزائيا.
غير أن الإشكالية تظل إشكالية التسامح: مسألة معرفة إلى أيّ مدى نتسامح، وما هي التمييزات غير المبررة التي ينبغي شطبها (من النصوص) أو استئصالها (في الممارسة).
وتشهد على هذه المرحلة في الواقع الأحكام القضائية للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ابتداءً من قضية دادجيون ضد/المملكة المتحدة وآيرلندا الشمالية Dudgeon c/Royaume Unie et Irlande du Nord 275. وقد تعزز هذا القرار فيما بعد بقرارات صادرة في قضايا نوريس ضد/آيرلندا Norris c/Irlande276، ومودينوس ضد/قبرص Modinos c/Chypre277، ستراواتوس ماناجوس ضد/قبرص Strawartos Managos c/Chypre278.
والواقع أن الحكم الصادر بشأن دادجيون يهمنا على أكثر من مستوى.
فقبل كل شيء، المناخ الأخلاقي لآيرلندا الشمالية فيما يتعلق بالشأن الجنسي يشبه مناخ بلدان أفريقيا الشمالية وبصورة خاصة تونس. والقانون الآيرلندي-الشمالي المطبق في 1977 كان يجرم العلاقات الجنسية المثلية القائمة في الخفاء أو في العلن بين أشخاص بالغين ومتراضين، الأمر الذي يذكر بأحكام الفصل 230 من القانون الجزائي التونسي.
ثم إنه كان لا مناص من أن يشكل هذا المناخ الأخلاقي في آيرلندا الشمالية سببا ملائما لتبرير العقاب الجزائي للأفعال الجنسية المثلية المرتكبة في الخفاء وبالتالي لتبرير تدخل الدولة بهدف احترام الحياة الخاصة، إذا تم تطبيق الاجتهاد القضائي السابق للعهد الأوروبي لحقوق الإنسان.
وعلى كل حال فإن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تؤكد أن «القيام بأفعال جنسية مثلية مع الغير وفي الخفاء يمكن أن يُنفر، أو يصدم، أو يزعج، الأشخاص الذين يرون أن الجنسية المثلية غير أخلاقية» غير أن «هذا وحده لا ينبغي أن لا يبيح اللجوء إلى عقوبات جزائية عندما يكون الشريكان بالغين ومتراضيين».
وأخيرا، وكما تذكر المحكمة في قضية دادجيون فإن «عدم التجريم لا يعني القول بالموافقة، وإنما إلغاء الجوانب غير المبررة من التشريع الجزائي».
في سياق هذا المنطق للتسامح، يتم الرجوع إلى أن هذا التدخل ليس ضروريا في مجتمع ديمقراطي وأنه لا توجد أيّة حاجة اجتماعية ملحة لاعتبار الأفعال الجنسية المثلية جريمة جزائية. وعلى هذا النحو فإن مجتمعا يريد أن يكون حديثا وديمقراطيا وعقلانيا لا ينبغي له تجريم أفعال جنسية مرتكبة في الخفاء بين بالغين متراضين. وبهذه الأفكار وهذه الاجتهادات القضائية استطعنا أن نتجاوز منطق التجريم واخترنا منطق التسامح، غير أننا لسنا إزاء إشكالية مساواة. فالمساواة تستوجب إلغاء أي عنصر من شأنه تفضيل فريق من المواطنين على فريق آخر.
وعلى هذا النحو يمكننا أن نعطي معنى حقيقيا للفصل 6 من الدستور الذي ينص على أن «كل المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات. وهم سواء أمام القانون». وسوف يجري فهم المساواة بعيدا عن لون الجلد، والجنس، والمعتقد الديني أو السياسي، وكذلك التفضيل الجنسي. وعلى هذا النحو فإن القاعدة القانونية ستكف عن اعتبار الجنسيين المثليين خارجين جنسيين على القانون ولن ترى فيهم سوى مواطنين كاملي الأهلية. خاصة إذا ما قرأنا المادة 5 من الدستور قراءة تجعل من التمتع بحقوق الإنسان والحريات الأساسية حقوقا تضمنها الدولة. خاصة وأن هذه المنظومة الحقوقية التي تكرسها المادة 5 من الدستور منظومة واسعة ومتكاملة تشمل كل حقوق الإنسان إذ ورد في هذه المادة: «تضمن الجمهورية التونسية الحريات الأساسية وحقوق الإنسان في كونيتها وشموليتها وتكاملها وترابطها».
وبالاستناد إلى هذه المادة لم يعد من المنطقي الإبقاء على الجوانب أو العناصر غير المبررة في مختلف التشريعات وخاصة في التشريع الجزائي.
وعند هذا المستوى فإن حكم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تفيدنا كنموذج في ميدان كان يتعلق إلى ذلك الحين بالسيادة الصارمة للدول. والواقع أن المجلس الأوروبي والمحكمة الأوروبية كانا يعتبران، حتى قرار المحكمة في 27 سبتمبر 1999279، أن الدول الأعضاء يمكن أن تعاقب على الأفعال الجنسية المرتكبة بين الجنود في الخفاء. وقد صار من المعترف به أن مثل تلك التشريعات شكلت تدخلا في الحياة الخاصة، غير أنها كانت تبدو مبررة نظرا لـ «أوضاع خاصة تسود داخل الجيش»280. إلا أنه مع حكم سميث Smith وجرادي Grady، جرى تعديل هذا التحليل. وقد اعتبر المجلس ثم المحكمة أن التشريع البريطاني يشكل انتهاكا للمادة 8 من الإعلان الأوروبي لحقوق الإنسان.
إن تجريم الجنسية المثلية التي تمارس بين بالغين متراضين، والمكرس بالقانون التونسي، والتي تعاقب عليها المادة 230 من القانون الجزائي بالسجن ثلاثة أعوام، لا يبدو مبرَّرا، حتى ولو كان تطور حق احترام الحياة الخاصة يضفي عليه طابعا نسبيا. وبالفعل فإن إضفاء الطابع الديمقراطي على الحياة السياسية والاجتماعية يجعل من الضروري تعزيز الحريات الفردية، وكذلك يقتضي عدم تجريم الفعل الجنسي المرتكب في الخفاء بين بالغين متراضين.
ولنتذكر تعبير المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية دادجيون «عدم التجريم لا يعني الموافقة، بل إلغاء الجوانب غير المبررة من التشريع الجزائي».