بحث حول حركة المثلي السّابق

Submitted by editor on Tue, 06/16/2009 - 23:28
حركة "المثلي السابق": ما هي؟

تصور هذا السيناريو: شبّان في السابعة عشرة من العمر، مكبلي اليدين ومساقين من قبل آبائهم إلى معسكرات، تدّعي القدرة على "شفائهم" من "مرضهم العقلي"، أي ميولهم الجنسية. تتضمن "التقنيات العلاجية" المتّبعة في تلك المعسكرات العلاج بالكهرباء، التخدير، و"ضرب المثلي في داخلهم حتى يخرج". وبعد شهر من هذا العلاج "التصحيحي"، يعتبر هؤلاء الشبان "مثليون سابقون"، أي إنهم لم يعودوا مثليي الجنس، بل أصبحوا مجدداً مغايري الجنس.

هذا هو، باختصار منطق حركة "المثلي السابق"، التي ظهرت في الولايات المتحدة وهي تشق طريقها اليوم إلى دول العالم حاملة معها تحريضاً بالعنف، ورفضاً للاختلاف، ومدعومة من اليمين الديني في الولايات المتحدة وحلفائه في المنطقة.

المثلية الجنسية وعلم النفس:

في أوائل الخمسينات من القرن الماضي، تم نشر الدليل الأول لتشخيص وإحصاء الاضطرابات العقلية، وهو الذي اعتمده الأطباء والمحللين النفسيين من أجل تشخيص المرضى الذين يعانون من اضطرابات عقلية. وفي حين أدرج الدليلان الأول والثاني المثلية الجنسية في لائحة الاضطرابات النفسية، إلا أن الدليل الثالث الذي نُشر في العام 1980، قام بشطب المثلية الجنسية من اللائحة، حيث أن تصنيف أي ظاهرة على أنها اضطراباً نفسياً يحتم عليها أن تكون شاذّة عمّا هو مقبول اجتماعيا، وتسبب بإعاقة الفرد على المستوى الاجتماعي والعملي والشخصي، وتشكّل خطورة على المجتمع، في الوقت الذي أظهرت فيه الأبحاث النفسية المتعلقة بالمثلية الجنسية أن الانجذاب إلى شخص من نفس الجنس ليس اضطراباً ولا يُشَكّل خطورة على أحد.

في الولايات المتحدة، ومع تنامي حركات ومنظمات مثل اتحاد المثليين والمثليات ضد التشهير (GLAAD) سنة 1985، أصبحت المثلية الجنسية أكثر انتشاراً، أي أن المثلية الجنسية لم تعد تعتبر انحرافاً اجتماعياً، بل نمط حياة وجزء من القاعدة. ومع ذلك، فإن أهم تغيير حصل خلال الثمانينات، بالإضافة إلى نشر الدليل الثالث، تجسّد في اعتبار رابطة علماء النفس الأمريكيين أن معالجة المثلي أو المثلية أمر غير أخلاقي وغير صائب، وإعلانها عن عدم أخلاقية حرمان أي مريض من العلاج بسبب توجهاته الجنسية.

حركة "المثلي السابق" – حقائق:

انطلقت حركة "المثلي السابق" في الولايات المتحدة مع الإنجيليين، المعروفين أيضاً بالمسيحيين الأصوليين، وهم مسيحيون متزمّتون يؤمنون بالولادة الثانية، وبأن الإنجيل هو الحقيقة الوحيدة والمطلقة. هكذا كان "الحب الفعلي"، الحملة التبشيرية الأولى، وقد تأسست سنة 1973، برئاسة ألآن تشامبرز.

وقد أدّت الدعاية والترويج عن "فعالية" العلاج الذي اعتمدته الحملة التبشيرية "الحب الفعلي" إلى ظهور عدد لا يُحصى من الحملات التبشيرية في الولايات المتحدة. وبحلول العام 1976، اندمجت حملة "الحب الفعلي"، مع حملات تبشيرية كثيرة ظهرت حينذاك لتؤسسExodus International، وهي أكبر منظمة تؤمن بمبدأ "المثلي السابق"، وتتألف من 120 حملة تبشيرية في كل من أميركا وكندا. مع مرور الوقت، انتشرت Exodus International خارج الولايات المتحدة، وبدأت بالولوج إلى مجموعات دينية وعرقية في بلدان مختلفة، مما شكل حلف Exodus Global.

صحيح أن المجموعات التي تنادي بـ"المثلية السابقة" قد استهدفت بشكل أساسي الأفراد الذين تتراوح أعمارهم بين الثالثة عشر والعشرين، و الذين بدأوا بالتساؤل والبحث عن ميولهم الجنسية، إلا إنها أيضاً تستهدف الأطفال ما دون العاشرة من العمر، بحجة أنهم كلّما أبكروا في تشخيص "المرض" كلّما كان "العلاج" أكثر فعالية. وعلى الرغم من مواجهة مجموعة GLAAD، ومجموعة "أفراد مثليون في مجتمعات متنوعة"، ورابطة علماء النفس الأميركيين لممارسات Exodus، إلا أن التكتل الذي أنشأته حركات "المثلي السابق" يزعم أن لكل فرد الحقوق التالية: الحق في التقرير إذا ما كان/ت يريد/تريد تغيير ميوله/ها الجنسية، الحق في معرفة بديل للحياة المثلية، الحق في تقرير المصير والإرادة الحرة لتغيير ميوله/ها الجنسية، والحق في العيش دون سخرية، أو تهميش، أو كراهية بسبب مثليته/ها.

إذا كان للفرد الحق في حرية الاختيار، فلماذا إذن كانت تساق أعداداً لا تحصى من الفتيات والفتيان، مكبلي الأيادي إلى معسكرات "المثلي السابق"؟ وعندما أثيرت تلك الانتقادات من قبل المجتمع المثلي ورابطة الأطباء الأميركيين، سارعت Exodus إلى إصدار بيان تعلن فيه أن نقد شبيه بهذا هو الذي يروج "لانحراف السلوك الجنسي" وللعلاقات بين المراهقين.

العلاجات – كما يدّعون

أصدرت Exodus نتائج العلاجات التي اعتمدها بغية إظهار مدى دقة وصحة وفعالية خططهم العلاجية، ومع ذلك، فلم تأت الدراسة على ذكر الطرق غير الأخلاقية التي عالجوا بواسطتها من سموهم "المرضى ذوو الإرادة الحرة". وقد استندت العديد من الإجراءات العلاجية إلى الخبرات المستمدة من روايات لمثليي الجنس المراهقين الذين تمكنوا من الفرار من المخيمات.

كانت الصدمات الكهربائية والعلاج من خلال النفور الطريقتان الأكثر استخداماً، حيث كانت تُعرض على "المريض"، صورة لأنثى وأخرى لذكر، وفي حال أجاب "المريض" بنعم حول ما إذا كان المجسم العائد للجنس ذاته قد أثاره جسدياً، يتم تعريضه لصدمة كهربائية تتراوح مدتها ما بين 10 و30 ثانية. ويفترض أن تولد هذه الطريقة "المشروطة" من العلاج نفوراً كلما أثير الفرد من قبل شخص من نفس الجنس.

وشكّل التنويم المغناطيسي طريقة أخرى لتغيير الرغبة اللاواعية لدى "المريض" في إقامة علاقة مع رجل آخر، و ذلك من أجل تحقيق العلاقة التي لم يحظى بها مع والده الغائب، أو اللامبالي وغير المحب. ترتكز طريقة التنويم المغناطيسي بشكل أساسي على الفرضية الفرويدية ونظريات الدينامية النفسية.

إن معظم الطرق العلاجية المذكورة أعلاه مستمدة من تجارب رواها مثليون ذكور، في حين تندر المعلومات التي تؤكد استخدام التنويم المغناطيسي على مثليات إناث. ومع ذلك، فإن مفهوم التنويم المغناطيسي للمثليات يرتكز على نظرية "عقدة إلكترا" الفرويدية، حيث تولد الرغبة في امتلاك عضو ذكري نفوراً لدى الفتاة تجاه أمها لأنها ولدتها "مخصية"، فتتماهى الفتاة مع والدها وتتولى الدور الجندري الذي يمثّله. لذلك، فإن الهدف من التنويم المغناطيسي هو مصالحة الفتاة المثلية في لاوعيها مع والدتها، ليؤدي ذلك بالنتيجة إلى تخليها عن الرغبة في امتلاك عضو ذكري والرغبة في ممارسة دور "المضطهد" (الدور الذي تعتقد أن والدها كان يمارسه على والدتها، لان لديه قضيب).

التكيّف الباطني، هو علاج سلوكي يتم خلاله تحقير "المريض" بسبب ميوله/ها الجنسية، حيث يحاط "بمرضى" آخرين وبأعضاء تابعين لـExodus، و من ثم تتم مناداته/ها بكلمات مهينة كلوطي، ومخنث، الخ. (Halgin & Whitbourne، 2007).

كذلك تشريط النشوة، وهو علاج سلوكي يطلب خلاله من الفرد أن يستمني على صورة شخص من الجنس ذاته، ولكن عندما يبلغ نقطة النشوة، يُطلب منه أن يقذف على صورة تعود للجنس الآخر.

ولما اعتُبرت هذه "العلاجات الخفيفة" غير ناجحة في تغيير التوجه الجنسي للفرد، تم اعتماد أساليب قاسية من العلاج، مثال: استئصال الرحم (إزالة الرحم)، الخصي (إزالة الخصية)، قطع القناة المنوية، جراحة في المخ (قطع وتشريح الدماغ أو الجزء الأمامي من الدماغ).

تبدو هذه الأساليب العلاجية غير منسجمة مع الهدف الأساسي لحركات "المثليين السابقين": فإذا كان الهدف هو تحويل المثليين إلى أشخاص مغايرين، لماذا إذن يتم إلحاق الضرر بأعضائهم التناسلية؟ ما الهدف من استئصال رحم المرأة وخصي الرجل. أم أن هذه الأساليب هي مجرد محاولة لتمرير رسالة مفادها "إن لم تتماثل معنا، فسوف تفقد الشيء الذي يعطيك اللذة".

ولمّا فشلت "التقنيات التحويلية" المذكورة أعلاه في تحقيق أي نجاح، تم اللجوء إلى "العلاج التصحيحي". وتعتمد هذه التقنيات على استبدال الأنشطة والاهتمامات المثلية بأخرى مغايرة، كالحضور في الكنيسة بشكل منتظم، ومواعدة أشخاص من الجنس الآخر، والزواج وممارسة الجنس مع شركاء من الجنس الآخر بغية إنجاب الأولاد.

وعندما أعلنت نتائج Exodus، سارعت رابطة علماء النفس الأمريكيين إلى التنديد بالتقنيات كونها غير فعّالة وغير صالحة ولا يمكن الاعتماد عليها، مشيرة أنه ما من دليل علمي واحد يبين صحة تلك النتائج. هذا وقد أضافت الرابطة أن طرق العلاج المتّبعة هي "غير أخلاقية" و"غير إنسانية". وردّاً على ذلك، نشرت Exodus بيانا زائفاً يتّهم رابطة علماء النفس الأمريكيين بأنها مدعومة من المجتمع المثلي.

حركة "المثلي السابق" في العالم العربي

مما لا شك فيه أن حركة "المثلي السابق" انتشرت كالطاعون في كافة أرجاء العالم، ناشرة آمالاً زائفة على شكل طرق "علاج" غير إنسانية و غير أخلاقية تجاه مثليي ومثليات الجنس. وتتخذ حركات "المثلي السابق" أشكالاً عديدة وليس من الضروري أن تعمد إلى استخدام الأساليب التي ذكرناها أعلاه. ويعتبر الإعلام وخاصة المتلفز منه، الأداة الأكثر فعالية في متناول المروجين لحركات "المثلي السابق".

إن غالبية البرامج التلفزيونية تتلقى دعماً وتأييداً من قبل دول الخليج التي لها أن تقرر إلى حد بعيد مضمون البرنامج والنقاط الواجب التركيز عليها. مثال على ذلك حلقة برنامج "أحمر بالخط العريض" الذي بثته المؤسسة اللبنانية للإرسال في كانون الثاني 2009. كان من المفترض أن يكون موضوع الحلقة عما إذا كانت المثلية الجنسية هي نتيجة للوراثة أم للبيئة الاجتماعية، ولكن، بطريقة ما، خرج البرنامج عن هذا المسار، ليركز على مسألة "العلاج".

وهنا، تؤكد منظمة علماء النفس الأميركيين بشكل قاطع على عدم وجوب علاج المثلية. وبالرغم من ذلك، روّج البرنامج لبعض أساليب العلاج التحويلية المذكورة أعلاه، خاصة التقنيات السلوكية.

وقد استخدمت طريقة "التكيّف الباطني" بشكل واضح جداً من قبل مقدم البرنامج، حيث علّق بطريقة ساخرة للغاية على التوجهات الجنسية لضيوفه، مشعراً إياهم بالعار، إلى حد التنكر لمثليتهم. وفي سياق الحلقة، صرّح عالم الاجتماع الكويتي، أن زواج الشبان والشابات قبل سن الثامنة عشر سيقلل من فرص حدوث علاقات مثلية، وهذا هو المنطلق الأساسي للعلاج التصحيحي.

هذا و قد عُرضت مجموعة من الصور المتعلقة بالمثلية كصور علم قوس القزح و"الجاي برايد"... ترافقها موسيقى شؤم، وذلك في سعي واضح لحمل الجمهور على الربط الشرطي بين صورة المثلية الجنسية والظلامية والتشاؤم وسواها من الأفكار الهدّامة.

وبعد مشاهدة برامج كهذه، لا بد للمرء أن يتساءل: من الذي يدعم هذه البرامج وغيرها من الوسائل التي تهاجم وتهين المثليين؟ مَن الذي يروّج، وبشكل علني، لرهاب المثلية؟ و يعطي الحق في التمييز والحكم على الآخرين بسبب ميولهم الجنسية؟

من العار أن يبقى الناس قلقين بشأن توجهات فتيانهم أو فتياتهم الجنسية، في الوقت الذي يخوض العالم حروباً لا داعي لها، و يعاني اقتصاده من أزمة كبرى، وتزدحم ساحته بالكثير من القضايا الملحة. وإذا كان ممكناً تحويل المثلي إلى مغاير، فلماذا لا يصح العكس؟ وهل يُمكن أن تُطَبّق العلاجات التحويلية والتصحيحية على الأشخاص المغايرين؟

ولو أن الأشخاص النافذين الذين يمولون هذا النوع من الحركات، يسخّرون طاقاتهم وأموالهم في قضايا عالمية أخرى، لكان العالم اليوم أقل عرضة للمجاعة والحروب... لكن، ربّما تكون أشكال الدعاية هذه نتيجة ما يلي: (1) إما أن هؤلاء يُخْفون مثليتهم الكامنة، (2) وإما إنهم يريدون صرف النظر عن الأزمات الحقيقية.

غاري ليان
ترجمة هبة عباني