يهدف هذا البحث بالدرجة الأولى إلى درس كيفية التعامل قضائياً مع العلاقات المثلية الرضائية بين الراشدين. ففيما يوحي انتشار المشهدية المثلية في مناطق عدة من لبنان، بما فيها من نواد ليلية وأماكن تلاق، بأن ثمة تسامحاً واسع النطاق في هذا المجال، تبقى المادة 534 الآيلة إلى معاقبة المجامعة خلافاً للطبيعة، وفق مدونات المحاكم، نصاً حياً يضرب انتقائياً، من فينة إلى أخرى، هنا وهنالك، عدداً معيناً من الأشخاص، وكأننا فجأة في بلد آخر. وما يزيد هذا الشعور حضوراً أن هذه الحالات تبقى غالباً طيّ الكتمان وبعيداً عن النقاش العام، فلا تشهد أي نقد أو اعتراض أو تعليق. لا بل أن المطالبة بإلغاء المادة 534 عقوبات ما برحت بنتيجة ذلك تتخذ طابعاً مبدئياً مفاده الاعتراف بالمثليين والحرية الشخصية، دون أن يترافق ذلك مع درس واقعي للآثار الفعلية التي سببتها وتسببها هذه المادة عند تطبيقها.
وهكذا تبدو الأمور وكأنما ثمة انفصام اجتماعي:
فمن جهة ثمة عالم يعيش فيه المثليّون بحرية، فيختطون لأنفسهم نهج حياة كان يصعب التفكير به منذ سنوات قليلة وذلك وسط مشهدية تزداد ظهوراً يوماً بعد يوم، ويطالبون بإلغاء المادة 534 أو أقله بعدم جواز تطبيقها عليهم نظراً لتطوّر مفهوم «الطبيعة» علمياً واجتماعياً انطلاقاً من شعور عميق بمشروعية ميولهم وحاجاتهم. بل لقد آل الأمر في هذا المجال إلى تأسيس جمعية للمثليين والمثليات جنسياً )حلم( وإلى الدعوة إلى معاقبة «رهاب المثليين» homophobia وتنظيم العرائض التي عبّرت عن تضامن اجتماعي مع المثليين في أوساط كثيرة وأيضاً إلى تحرير كتبٍ تَضَامَنَ فيها مثقّفون عدّة مع المثليين أو هي تروي قصصاً لفتيات مثليات.78
ومن جهة أخرى فثمّة أفراد تتم ملاحقتهم سراً، بعيداً عن الإعلام، استناداً إلى المادة 534 دون أي جدل بشأن الطبيعة بما تعنيه وبما يخالفها، فتُفحص أشراجهم وقضبانهم إثباتاً للّواط وينالون عقوبات حبس قد تصل إلى أشهر، كل ذلك بشكل تقني بحت بحيث قلما ينعكس الخطاب بشأن مشروعية الميل المثلي داخل المحاكم، بل –وهذا الأهم- ودون أن تتحول الملاحقات في إجراءاتها وأحكامها، وما يشوبها من انتهاكات ومخاطر، إلى أسباب موجبة لتبرير المطالبة بإلغاء المادة 534 عقوبات تُضاف إلى الأسباب الموجبة المبدئية وتدعمها.
ومن هنا، فان الغاية الأساسية لهذا البحث، الذي تم بالتعاون مع جمعية حلم، تكمن في وضع حدّ لهذا الانفصام، وذلك من خلال الإضاءة على الملاحقات القضائية وتحليل الإجراءات والأحكام المتصلة بها، تمهيداً لإجراء تقويم أفضل للمادة 534 وتبعاتها من جهة، وفي الوقت نفسه لإرساء أسس لبدء نقاش قانوني داخل المحاكم بهذا الشأن، بغية تحويل القضايا الفردية المطروحة أمام القضاء إلى قضايا ذات أبعاد اجتماعية، تعني شريحة كبيرة من المواطنين، وتستحق تالياً ما تستحقه من عناية في الدرس والتعليل والاهتمام. وأملي هو أن يبقى هذا البحث حياً، بحيث يتم تعديله بشكل متواصل على ضوء الملاحقات أو الأحكام المستقبلية أو التي يتسنى لنا درسها. ولهذه الغاية، سنقسم هذا التقرير إلى أقسام ثلاثة: الأول يسعى إلى تحليل النصوص القانونية التي تعتمد كسند لملاحقة المثليين بشكل مبسّط وذلك تمكيناً للقارئ من فهم أبعاد الأحكام، والثاني إلى تحليل كيفية تطبيق هذه النصوص واقعياً من خلال الأحكام والملفات القضائية التي تسنى لنا درسها، قبلما نسعى في فصل أخير إلى إجراء الخلاصات بشأن تقويم الواقع الحالي وتحديد أبرز الخطوات العملية لتجاوزه.
وقبل المضي في عرض هذه الأقسام، لا بد من إبداء بعض الملاحظات التمهيدية بشأن إطار العمل ومنهجيته.
أولاً، أن البحث شمل عددا من الأعمال القضائية الصادرة عن محاكم بيروت وبعبدا وطرابلس ابتداء من 2003، التي تم رصدها وجمعها، وهو يشمل بشكل خاص الأحكام الصادرة عن القضاة المنفردين الجزائيين في هذه المحاكم، ولكن أيضاً أعمال النيابة العامة وقضاة تحقيق ومحاكم استئناف الجنح. وإذا لقينا تعاوناً وتوجيهاً مشكورين من قضاة عدّة، فان عمليتي الرصد والجمع لم تَخْلُ رغم ذلك من الصعوبات مما يجعلنا جد حذرين في ادعاء الشمولية. وأهم هذه الصعوبات، حساسية الموضوع وقد عبّر عنها عدد من كتّاب المحاكم، وصعوبة التدقيق في سجلات المحاكم في ظل غياب المكننة، وصعوبة أحياناً في إيجاد الملفات في نظام أرشفة هو بأمس الحاجة إلى الإصلاح حفظاً لتاريخ القضاء. كما أنه، وفيما عدا حالات معيّنة، وجب علينا الاكتفاء بنسخة عن الحكم النهائي دون سائر أوراق الملف، مما فرض علينا هنا أيضاً حذراً شديداً في تقييمها.
ثانياً، إن البحث يتصل بالعلاقات المثلية بين راشدين. وهذا يعني إنها لا تشمل أعمال قضاة الأحداث التي تستدعي بالتأكيد دراسة على حدة، ومن منطلقات أكثر تعقيداً، سواء بما يتّصل بملفات ملاحقة الأحداث أو بملفات الحماية. لكنه لا يعني بالمقابل استبعاد الأحكام التي شملت قاصراً، فهذه الأحكام غالباً ما تضمنت معلومات ذات أهمية ودلالة بشأن العلاقات المثليّة بشكل عام. ومن هنا سيلقى القارئ عدداً من الملاحظات في هذا المجال.
ثالثاً، وهي ملاحظة جد شخصية، إن أجزاءً كبرى من هذا البحث كُتبت في برلين، على مقربة من النصب التذكاري للمثليين الذين فقدوا حياتهم أو تم اضطهادهم في فترة النازية، مما أعطاه بعداً إضافياً. ولا أقصد من ذلك بحال من الأحوال مقارنة الحالة اللبنانية بالحالة النازية فلا مجال مطلقاً للمقارنة، ولكنه مجرّد لَفْت النظر إلى خطورة الانسياق وراء الأفكار المسبقة في هذا المجال والتي قد تتحول إلى اضطهاد حقيقي في ظروف اجتماعية معيّنة. والواقع أنّ تذكّر برلين في هذه المقدمة وفي هذه الظروف الاجتماعية أكثر من مبرَّر في ظل التحركات الآيلة إلى إلغاء المادة 534: فبرلين شهدت في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين طليعة أبحاث علم النفس الآيلة إلى عدِّ الميول المثلية طبيعية وتالياً إلى استبعاد وَصْمها بمخالفة الطبيعة، وهي أيضاً شهدت أولى العرائض الُمطالِبة بإلغاء الفصل 175 الآيل إلى معاقبة العلاقات المثلية )والمشابه للمادة 534 من قانون العقوبات اللبناني( وقد وقّع على هذه العريضة أعلام كبار في مجالاتهم، في مواجهة الظلم والانتقائية والابتزاز، وهي أيضاً شهدت أبرز الاحتجاجات ضد محاكمة «أوسكار وايلد»، وكلّها تحركات كُتِبَ لها أن تُطمس في ظل النازية وتنامي اللاتسامح قبل أن تُستعاد كلحظات مضيئة في تاريخ ألمانيا مع إلغاء الفصل المذكور عام 1969.