النص المطبّق في هذا المجال هو حكماً المادة 534 من قانون العقوبات وهي تنص على الآتي:
«أي مجامعة خلافاً للطبيعة يعاقب عليها حتى سنة حبس»، وهي ترجمة حرفيّة للنص الحرفي الوارد في فترة الانتداب وقد نصت على الآتي:
«Toute conjonction charnelle contre l’ordre de la nature sera punie de l’emprisonnement jusqu’à une année» وقد ورد هذا النص في النبذة الثانية «في التعرض للآداب والأخلاق العامة» من الفصل الثاني «في الحض على الفجور والتعرض للأخلاق والآداب العامة» من الباب السابع «في الجرائم المخلة بالأخلاق والآداب العامة» من قانون العقوبات اللبناني. وكبداية للبحث، ينبغي السعي للإحاطة بهذه المادة من زوايا عدة، وتحديداً من زاوية مصدرها ومن زاوية موقعها في قانون العقوبات ضمن مجموعة من جرائم الجنس والآداب العامة.
نبذة أولى: محاولة لفهم هذه المادة على ضوء مصدرها:
من النافل القول أن مفهوم «مخالف للطبيعة» المشار إليه في هذه المادة مأخوذ من بعض التشريعات الغربية السائدة آنذاك وهو يعني بتاريخ وضع قانون العقوبات في 1943 حصراً العلاقات المثلية. وما يؤكد ذلك هو الخطاب العام السائد في فرنسا في تلك الفترة وتحديداً سنة 1942 حين أقرّ نظام فيشي مادة جديدة عاقب بموجبها الأعمال الجنسية المخالفة للطبيعة79 «acte contre nature» بين شخصين أحدهما على الأقل دون 21 سنة.
وبذلك، ميّز مشرع فيشي بين العلاقات الغيرية والعلاقات المثلية بحيث حدّد الرشد الجنسي بالنسبة إلى الأولى ب15 سنة فيما رفع بموجب هذا التعديل الرشد الجنسي بالنسبة إلى الثانية حتى 21 سنة، علماً أنه أبقى حرية المجامعة قائمة بين الأشخاص الذين تجاوزوا هذه السن، سواء تمت المجامعة وفقاً أو خلافاً للطبيعة. والإمعان في هذه المادة في الظروف السائدة آنذاك يعني أمرين: المعنى الأول وهو المعنى المعلن ومفاده أن المشرّع الفرنسي برّر معاقبة الفعل المخالف للطبيعة، ليس بحماية المجتمع إزاء خطر داهم، بل بحماية من هم دون 21 سنة من استغلال الكبار لهم وأكثر تحديداً من علاقات قد تعزز ميولاً جنسية غير مرغوبة اجتماعياً لديهم أو قد تعيق بأقل تقدير تطوّرهم العاطفي، والمعنى الثاني، وهو معنى غير معلن، ومفاده الإعلان عن إدانة العلاقات المثلية بشكل عام، ضمناً وتحت ستار حماية الطفل أو الشاب إزاء استغلال الكبار. وتالياً، بدا في هذا المجال إلصاق وصف «مخالف للطبيعة» بالعلاقات المثلية وكأنه ضروري ليس فقط لتفسير التمييز في هذا المجال، إنما أيضاً لتعزيز الإدانة الأخلاقية لها.
وقد تأكّد تفسير مفهوم «خلافا للطبيعة» على هذا الوجه في أعمال المشرع الفرنسي الآيلة إلى إعادة تصنيف المادة المذكورة بعد زوال نظام فيشي في 1945 أو إلى إلغائها في 1982. وهذا ما نقرأه بوضوح كلّي في إصرار الحكومة الفرنسية في 1982 على إلغائها رغم تعنّت مجلس الشيوخ، وذلك التزاماً منها بتعهّدها لجهة إلغاء التمييز ضد المثليين80. كما نقرأه في مجمل أعمال الفقه81 والاجتهاد82.
والواقع أن وصف العلاقات المثليّة بعلاقات مخالفة للطبيعة هو وصف قديم نجد له أكثر من أثر في الكتابات الكلاسيكيّة القديمة83 وأيضاً في عدد من القوانين الأوروبية السائدة آنذاك84، وعلى رأسها طبعاً المادة 175 من القانون الألماني الآيلة هي أيضاً إلى معاقبة الأفعال المخالفة للطبيعة، بما فيها العلاقات بين راشدين، والتي فتحت الباب واسعاً أمام اضطهاد المثليين جنسياً إبان فترة النازيين كما سبق بيانه.
والواقع أن هذا الوصف يحتمل معنيين على نحو لا يخلو من الالتباس:
فهو من جهة وصف بيولوجي كوني شبه أنتولوجي، أساسه الربط بين اللذة الجنسية والإنجاب الذي لا يمكن أن يتم بالتقاء ذكرين أو أنثيين. وقد تعزّز هذا الوصف بالفرضية القائلة بأن الكائنات الحيّة غير البشرية تنزع عن مجامعة أقرانها، من الجنس نفسه85، مما يشكّل دليلًا قاطعاً على أن العلاقات المثلية مخالفة للطبيعة. وقد لقي هذا الوصف انتقادات واسعة مع تطوّر علم النفس بَلَغ أوجه مع شطب منظمة الصحة العالمية للميول المثلية عن لائحة الأمراض النفسية، وأيضاً مع تطور الأبحاث التي أثبتت أن أجناساً عدّة من الحيوانات تمارس أشكالاً متعدّدة من العلاقات المثلية وهو من جهة أخرى وصف «اجتماعي»، أساسه الرفض العام لهذه العلاقات التي تبقى في عداد المحرمات86. وهو وصف يختلف بطبيعة الحال، عن الوصف السابق لجهة قابليته للتطوّر على ضوء تطوّر البيئة الاجتماعية المحيطة.
بالمقابل، يصعب على ضوء أعمال التشريع السائدة آنذاك، إعطاء «الطبيعة» تفسيراً بيولوجياً قابلاً للتغيير بين فرد وآخر، بحيث تكون المجامعة موافقة للطبيعة إذا حصلت بين أشخاص ثبت لديهم ميول مثلية طبيعية وتكون مخالفة للطبيعة إذا حصلت بين أشخاص ليس لهم ميول مماثلة. فهذا التفسير يتعارض مع التوجه العام الآيل آنذاك إلى إخضاع علاقات معيّنة لهذه المادة، على أساس الجنس البيولوجي لأطرافها دون أيّة إشارة، صراحة أو ضمناً، إلى الميول الجنسية.
وإذا كان القانون اللبناني قد استمد هذا الوصف من المشرع الفرنسي في ظل الانتداب، دون أي توسع بشأن معنى الطبيعة الأمر الذي يبقي الالتباس قائماً، فانه قد تَميَّز عن النص الفرنسي من زاويتين: الأولى أنه يُطَبّق بشكل عام، حتى على العلاقات بين الراشدين )وهو بذلك أقرب إلى النص الألماني(، إذ هو يعكس تغليب القيم التقليدية على اعتبارات الحرية التي بدت قليلة الشأن في المنظومة الاجتماعية اللبنانية السائدة آنذاك، والثانية أنه اشترط حصول مجامعة conjonction (وهي تسمية مشتقة من الفعل conjoindre الذي يتضمن معنى الاتحاد والتحرّك المنسّق معاً وتؤشر إلى اشتراط وجود علاقة بواسطة الشرج)، وهو تضييق له ما يبرره في توسع المادة لتشمل العلاقات بين الراشدين.
وأيّاً يكن المعنى المعتمد، فإن تضمين هذه العبارة في قانون العقوبات يشكّل علامة فارقة. فبخلاف مجمل النصوص العقابية، والتي تنص على معاقبة أفعال معينة كالسرقة أو القتل أو الاحتيال أو سحب شيكات دون رصيد أو التزوير أو الجماع قسراً ألخ..، فإن هذا النص يتناول ليس الفعل المراد معاقبته كالمجامعة بين رجلين أو شخصين من الجنس نفسه، بل السبب الموجب لذلك أي مخالفة هذا الفعل للطبيعة. وتالياً، فإذا عكس التشريع موقفاً مفاده أن المجامعة بين رجلين هي مخالفة للطبيعة، فإنه من الجائز أيضاً القول بأن معاقبة هذا الفعل مبررّة قانونياً وأنها تفقد مشروعيتها بالكامل في حال ثبت إن الفعل ليس مخالفاً للطبيعة أو أنّه لم يَعُد يُعَدّ كذلك!
نبذة ثانية: «٥٣٤» والجرائم الجنسية: محاولة فهمها على ضوء أحكام قانون العقوبات:
هنا سنحاول فهم المادة ٥٣٤ من زاوية أخرى، وهي موقعها إزاء النصوص الأخرى التي تضمنها قانون العقوبات اللبناني. ونسارع إلى القول بأن هذا القانون، الذي تأثّر بدرجة كبيرة بالمعايير المعمول بها آنذاك في فرنسا، بدا حريصاً قبل كل شيء على حماية العائلة الشرعيّة وصحّة الأنساب، وميالاً عموماً إلى تغليب الأخلاق العامة على مبدأ الحرّية الشخصية. وهذا ما سنحاول درسه أدناه عبر تظهير مكانة كلٍ من المعايير المعتمدة في تحديد السياسة التشريعية، وبشكل خاص المعايير التي تؤثر في تفسير هذه المادة.
1- الزواج:
هنا بدا المشرع أقرب إلى المفاهيم اللاتينية. فالزنى يُعَدّ متحققاً عند حصول الرابط الجنسي بين امرأة ورجل راشدين خارج الزواج، إذا كان، وفقط إذا كان أحدهما مرتبطاً بعقد زواج مع شخص آخر. ومفهوم الزنى يختلف من هذه الزاوية مع المفهوم التقليدي للزنى (المكرّس في الفقه الإسلامي)، حيث تُعَدّ أي علاقة بين رجل وامرأة راشدين خارج الزواج زنى، سواء كان أحدهما أو كلاهما محصناً أو لم يكن أيّ منهما كذلك، علماً أن عقوبة الحدّ على المحصنين هي أشد قسوة من عقوبة الحد على من ليسوا كذلك. فما يراد حمايته هو بالدرجة الأولى الرابط الزوجي، والذي يبقى أسمى من اعتبارات الحرية الشخصية فيما تبقى العلاقات الغيرية بين راشدين غير متزوجين حرّة. ويذهب القانون أبعد من ذلك في اتجاه تغليب رابط الزواج على حرية الفرد بحيث يخضع الجماع كرهاً للعقوبة فقط في حال حصوله خارج الإطار الزوجي فيما يؤول عقد الزواج إلى إسقاط أي ملاحقة في هذا المجال.
كما أن القانون أقرّ بأن من شأن الزواج اللاحق للاغتصاب بين الغاصب والمغتصبة أن يوقف الملاحقة (522)، مما يؤشر إلى موقف مفاده أن من شأن رابط الزواج أن يستر العيوب كافة.
وبنتيجة ذلك، يظهر أن حق العائلة على الفرد مستمدّة من قانون العقوبات، أقلّه بالنسبة إلى الراشدين، ليس من الولادة إنما من الزواج، الذي يصبح عند وجوده مبرِّراً لقمع حرّية الفرد في إقامة علاقات حميمية. وهذا ما يسمح لي بالانتقال إلى المعيار الثاني وهو حماية النسب.
2- حماية النسب:
هنا، نتناول المعيار الثاني الذي اعتمده المشرّع في وصف الأفعال الجنسية، وهو مكمّل للمعيار الأول، ومفاده التشدد في معاقبة الأفعال التي من شأنها أن تخلط الأنساب أو تضيّعها كالاغتصاب أو زنى المرأة المتزوجة كما سبق بيانه، علماً أن الأخذ بهذا المعيار يعكس الوظيفة الاجتماعية الناجمة عن حماية النسب.
ومن أبرز الأحكام الدالة على ذلك، هو اعتبار اغتصاب الرجل للمرأة عن طريق التقاء القضيب بالفرج عملاً أكثر خطورة من اغتصابها قسراً بواسطة الشرج أو من اغتصاب رجل لرجل آخر. وهذا ما نقرأه بوضوح كلي في حكم صادر عن محكمة التمييز87 صدر في قضية أقام فيها رجل صلة جنسية مع امرأة كرهاً بواسطة الشرج. والسؤال الذي طرحته المحكمة: هل يشكل الأمر جماعاً كرهاً وفقاً لمفهوم المادة 503 أم أن الأمر يشكّل فحشاء وانتهاكاً للحشمة وفقاً لمفهوم المادة 507 التي هي تخضع لعقوبة أقل قسوة، ولا سيما لجهة مدى قابليتها للتخفيض؟
وإزاء هذا التساؤل، جاء جواب محكمة التمييز لافتاً بإخضاع الفعل المرتكب للمادة 507 وذلك لأن قانون العقوبات اللبناني الذي «استعمل عبارة الجماع في المادة 503 وهي ترجمة للعبارة الأصلية الفرنسية «acte sexuel» كان ما يزال متمسكاً بوجهة النظر التي كانت سائدة في تاريخ وضعه في الفقه والاجتهاد الفرنسيين، المكرَّسة بالفقرة الأولى من المادة 332 من قانون العقوبات، والتي كانت تحصر الاغتصاب بالعملية الجنسية الفيزيولوجية الطبيعية بين الرجل والمرأة عن طريق الإكراه بالعنف، انسجاماً مع انعكاسات فلسفية لا تولي المرأة في المجتمع أي دور سوى المعادلة الثلاثية القائمة على الزواج وتأسيس عائلة والإنجاب تحاشياًً لإدخال ولادات غير شرعية في العائلات. فالجماع بالإكراه وبالعنف، أي الاغتصاب viol لا تتوافر عناصره إلا بالالتقاء غير المشروع لعضوي الرجل والمرأة الجنسيين «conjonction des sexes»، القضيب والفرج، نتيجة لممارسات وضغوط تقع تحت طائلة القانون الجزائي. وكل عمل مهما كان نوعه على خلاف الطبيعة يعتبر عملاً من أعمال الفحشاء».
نستخلص من ذلك أن الجماع كرهاً لا يكون متحققاً إذا وطئ الرجل امرأة عبر شرجها أو وطئ رجلاً كرهاً، بل يكون هذا فحشاء ويخضع لعقوبات أقل قسوة من عقوبة الاغتصاب، طالما أنّه لا يعرّض الأنساب للخطر.
وفي الاتجاه نفسه، نُسَجّل أن قانون العقوبات يميّز بين زنى الرجل المتزوج وزنى المرأة المتزوجة، على نحو يدلّ على الخلفية المتمثلة في حماية النسب طالما أن زنى المرأة المتزوجة وحده هو الذي يعرّض النسب للخطر. فالقانون يعلّق على ولاء المرأة لزوجها أهمية أكبر من ولاء الرجل لزوجته، بدليل الاختلاف في عناصر جرم الزنى وفقاً لجنس الزوج الزاني. ففيما يكون الزنى متحققاً في أيّة علاقة جنسية تقيمها المرأة المتزوجة مع رجل غير زوجها، فجرم الزنى لا يتحقق بالنسبة إلى الرجل المتزوج إلا إذا اتّخذ خليلة جهاراً أو إذا ارتكب الفعل في المنزل الزوجي. كما أن زنى الرجل المتزوج يخضع لعقوبة تصل إلى سنة حبس كحد أقصى وهي أقل قسوة من عقوبة المرأة المتزوجة الزانية التي قد تصل إلى سنتين حبس.
3- درجة الفعل الجنسي:
هنا، نجد معياراً آخر مفاده التمييز بين الأفعال الجنسية وفقاً لدرجتها. فكما رأينا سابقاً، يعدّ الجماع المتمثّل بالعملية الفيزيولوجية القائمة على التقاء عضوي المرأة والرجل، أي بالعملية التي من شأنها أن تؤدّي إلى الإنجاب، العمل الجنسي الأكثر خطورة، بحيث يعاقَب الجماع كرهاً بأقسى العقوبات في هذا المجال وتطال معاقبة الجماع مع قاصر دون الثامنة عشرة حتى ولو تمّت رضائياً. بالمقابل، فان إكراه الآخر على أفعال منافية للحشمة كالجماع بواسطة الشرج، أو أيضاً كتعرية المعتدى عليه والاستمناء عليه أو في محيط شرجه دون الولوج فيه، أو أيضاً لعق الأعضاء الجنسية، وما إلى هنالك من أفعال مشابهة، تبقى أقل خطورة وتخضع لعقوبات أقل قسوة ولا تطال العلاقة الرضائية مع قاصر إلاّ إذا كان دون الخامسة عشرة. وكذلك الأمر بخصوص الأفعال المنافية للحياء (الذي قد يحصل في حال مداعبة الأعضاء التناسلية أو تقبيلها ألخ..) والتي يجوز تصنيفها بالأقل خطورة بحيث تخضع لمعاقبة أقل قسوة ولا تعاقب إلا في حال ارتكابها ضد ذكر دون الخامسة عشرة أو أنثى دون الثامنة عشرة إذا تم ذلك دون رضاها. وهذا ما يسمح لنا الانتقال إلى المعيار الرابع وهو معيار السن.
4- السن:
هذا المعيار يتمثل في فكرتين أساسيتين: الأولى إن بعض الأعمال الجنسية تكون خطرة أو تزداد خطورة حين ترتكب مع شخص لم يبلغ سناً معينة أو ما يسمّى بالرشد الجنسي الذي قد يختلف وفق خطورة الفعل الجنسي الُمرتكب، وذلك لما لها من تأثير على تطوره النفسي العاطفي، والثانية أن الرضى لا يُعتدّ به حين يكون الشخص المعني صغير السن. وعملاً بهذا المعيار، ميّز القانون بين الأشخاص المعنيين بل بين القاصرين أنفسهم، وفقاً لسنّهم، سواء عند تحديد عناصر الجرم أو عند تحديد العقوبة، مما آل إلى تصنيف هؤلاء ضمن فئات عمرية معيّنة أكثرها حضوراً بين القاصرين، فئة 15-18 سنة، وفئة 12-15 سنة، وفئة ما دون 12 سنة، فضلًا عن فئة الراشدين ما بين 18 و21 التي استفادت أحياناً من حماية خاصة أهمها ما يتصل بالحض على الفجور.
وإذا بدا مشرّع 1943 ميالاً إلى اعتماد بلوغ 15 سنة سناً للرشد الجنسي، بحيث أخضع الأفعال الجنسية المرتكبة معهم أو عليهم لعقوبات، سواء تمّت رضائياً أو كرهاً، وسواء بلغت درجة الجماع أو كانت فقط أفعالاً ماسّة بالحشمة أو بالحياء، مع إبقاء سائر الأفعال الجنسية مبدئياً في خانة المباح، إلاّ أن مشرّع 1983 أدخل تعديلاً على المادة 505 الواردة في نبذة الاغتصاب والخاصة حتى ذلك الحين بالجماع دون عنف أو إكراه مع قاصر دون 15 سنة، مفاده توسيع إطار هذه المادة ليشمل الجماع مع قاصر بين 15 و18 سنة والذي بات بنتيجة ذلك يخضع لعقوبة حبس تتراوح بين شهرين وسنتين. والواقع أن هذه الإضافة غير موفقة لأسباب عدة: الأول أنها صُنِّفت ضمن نبذة خاصة بالاغتصاب، أي في النبذة التي تشمل الجماع كرهاً أو الجماع في ظروف لا يعتد فيها برضى أحد الطرفين كما هي حال القصر دون 15 سنة. وهذا ما يتنافى أصلاً مع العقوبة المفروضة التي لا تتجاوز سنتين حبس فيما يخضع الجماع مع قاصر دون 15 سنة لعقوبة جنائية تتراوح بين ثلاث سنوات وخمس عشرة سنة ولا تنقص عن خمس سنوات إذا كان الولد لم يتم الثانية عشرة من عمره.
والثاني، أن المشرع رفع بذلك سن الرشد الجنسي فقط بخصوص «الجماع» فيما أن الأفعال الجنسية الأخرى الماسّة بالحشمة أو الحياء لا تُعاقَب إذا حصلت مع قاصر من هذه الفئة برضاه.
وانطلاقاً من ذلك، جاز طرح تساؤلات عدّة بشأن إمكانية تطبيق هذا التعديل على العلاقات المثلية، ولا سيما إذا تّمت المجامعة بواسطة الشرج. فهل يتعين على القاضي التمسك بتعريف الجماع الذي اعتمدته محكمة التمييز والمشار إليه أعلاه، أي الفعل الجنسي المتمثل بالتقاء العضوين الذكري والأنثوي، أم أن عليه التوسع في تطبيق التعديل الحاصل في المادة 505 في اتجاه تطبيقه على العلاقات المثلية؟ حتى اللحظة، فالقضاء دأب على اعتماد الحل الثاني، دون أن يقدم تعليلا مقنعا بهذا الشأن.
5- الرضى:
بالطبع، لمعيار الرضى حضور معين في قانون العقوبات بمعنى أن إكراه شخص ما على عمل جنسي معين يشكل في حالات عدة فعلاً يُعاقَب عليه. ولكنْ، يُسجَّل هنا ملاحظات عدّة:
إن عدم الرضى على جماع معيّن لا يشكّل دوماً سبباً للمعاقبة. وهذا ما نلمحه في الجماع كرهاً بين الزوجين، أو أيضاً بشأن الأفعال الجنسية الأقل خطورة الُمرتكبة كرهاً كما هي حال المسّ بالحياء، حيث لا مجال للمعاقبة إلا إذا كان المعتدى عليه امرأة دون الثامنة عشرة من العمر.
إن الرضى لا يشكّل دوماً سبباً مانعاً للعقوبة. وهذا ما نتبِيّنه بشكل خاص بشأن معاقبة المجامعة خلافاً للطبيعة. وكذلك الأمر بشأن الجماع مع قاصر، سواء كان الطرف الآخر راشداً أو قاصراً، مما يؤشّر إلى وجود نيّة واضحة في منع هذه الفئة من إقامة علاقات جنسية مبكّرة. وإذا علمنا أنه يُسمح لهذه الفئة نفسها عقد زواج مبكّر بموافقة الأهل، فإن المعاقبة تبدو إذ ذاك وكأنها تهدف إلى ضبط هذه الفئة وتأطيرها أكثر مما تهدف إلى حماية الأطفال إزاء التعسف أو الاستغلال.
إن ثمّة قرينة بغياب الرضى إذا كان أحد الطرفين صغير السن أو يعاني من ضعف عقلي أو جسدي أو إذا كان أحد الطرفين ذا سلطة على الطرف الآخر كما هو حال الأهل. كما أن قانون العقوبات يتوسّع في اعتماد مفهوم الخداع والإغواء بحيث يفتح الباب أمام معاقبة الرجل الذي جامع امرأة رضائياً ففض بكارتها تبعاً لوعد خطي بالزواج.
وهكذا، يظهر بوضوح أن قانون العقوبات يغلّب اعتبارات تقليدية عدّة على اعتبار احترام الخصوصية والحرية الشخصية، أبرزها السلطة الأبوية والسلطة الزوجية واعتبارات العذرية والأخلاق العامة.
6- الجندر:
هنا، نتوقّف بشكل خاص عند التمييز ضد المرأة والمثليين.
فبشأن المرأة، نجد التمييز الآيل إلى الحد من حرية المرأة كما هي حال التمييز إزاء جرم الزنى أو أيضاً مسألة فض البكارة. كما أن قانون العقوبات اعتبر في مواد عدة الاعتداء الجنسي على امرأة أكثر خطورة من الاعتداء الجنسي على ذكر كما نقرأ في المادة 519 عقوبات حيث يشكّل الاعتداء على حياء قاصر من فئة 15-18 سنة جرماً فقط إذا كان القاصر امرأة، وهو أمر يقبل بالطبع النقد، بحيث يحصل التمييز هنا بين أطفال.
أما بشأن المثليين، فان المادة 534 تشكّل بالطبع الدليل الساطع على هذا الأمر. بالمقابل، لا نجد نصوصاً تميز ما بين فاعل أو مفعول به، أو تعاقب متحولي الجنس على التحول بحد ذاته.
7- العلانية:
وهذا ما نقرأه في المادتين 531 و532 والتي تتناول حالات من الإخلال بالآداب العامة - وهو تعبير يحتمل فوارق بين منطقة وأخرى وبين زمن وآخر- والتي يفترض حصولها في مكان عام أو مفتوح للجمهور. وبالطبع، غالباً ما آلت المواقف الأخلاقية بشأن العلاقات المثلية إلى ملاحقة أشكال عدة من التعبير عنها وفق ما نبيّنه في الفصل المتّصل بأعمال القضاء.
8- اعتماد نظام الدعارة المنظّمة:
أما، بشان الدعارة، فيبدو أن المشرع اعتمد منذ العشرينات نظام الدعارة المنظّمة، وقوامه الترخيص لبيوت بغاء أو تلاق تعمل فيها نساء يخضعن للمراقبة الصحية والمسلكية فيما تطال العقوبات أي شخص يتعاطى الدعارة من خارج هذه البيوت. وهذا النظام، الذي ينفي تماماً إمكانية الترخيص للدعارة الذكورية أو لدعارة مثليين، قد شهد بعد الحرب الأهلية تحولاً غير معلن، مع زوال البيوت المرخّصة ومع تنامي دعارة الفنانات وبنات البارات الخاضعات لرقابة الأجهزة الأمنية (مديرية الأمن العام وقوى الأمن الداخلي).
هذه هي بعض الأفكار الرئيسية التي تكوّنت في ذهنية المشرع عند وضع القانون وأعطت الجرائم الجنسية الشكل الذي هو عليه. وبنتيجة ذلك، أمكن رسم الجدول الآتي بشأن الأفعال الجنسية المرتكبة في مكان غير عام وغير مفتوح للجمهور.
علاقة مخالفة للطبيعة (مثلية) بين راشدين
علاقة مخالفة للطبيعة أحد أطرافها على الأقل قاصر من فئة 15-18 سنة
علاقة مخالفة للطبيعة أحد أطرافها على الأقل قاصر تحت 15 سنة
رضى
534 فقط إذا جماع بواسطة الشرج.
إذا لم يحصل الجماع بواسطة الشرج، فلا جرم.
إذا حصل جماع بواسطة الشرج، 534 للطرفين معاً. والسؤال هل تُطبَّق المادة 505 على الطرف الآخر أم أنها تطول فقط العلاقات الغيرية؟
إذا لم يحصل الجماع بواسطة الشرج، فلا جرم حتى ولو مس بالحشمة أو عمل مناف للحياء.
إذا حصل جماع بواسطة الشرج، الطرف الآخر فقط (509).
إذا مس بالحشمة دون جماع في الشرج، الطرف الآخر فقط (509).
إذا خدش بالحياء، الطرف الآخر فقط (519).
قسرا
إذا مجامعة قسراً أو مس بالحشمة، تُطبق المادة 507.
إذا خدش للحياء قسراً أو عرض للقيام بفعل مناف للحشمة، لا جرم.
إذا مجامعة قسراً أو مس بالحشمة، تنطبق المادة 509.
إذا خدش للحياء أو عرض للقيام بفعل مناف للحشمة، تنطبق المادة 519.
وهذا الجدول يسمح لنا إذا بتحديد الأفعال الجنسية بين شخصين من الجنس نفسه والتي لا تشملها المعاقبة وهي العلاقات بين راشدين (بل ربما بين أي شخصين ليس أحدهما أقل من 15 سنة وفق تعريف محكمة التمييز للجماع) والتي لا تبلغ حد المجامعة بواسطة الشرج. وهذا يسمح لنا بالانتقال إلى عرض كيفية تطبيق المادة 534 من قبل القضاء ولا سيما فيما يتصل بالمثليين.