القسم الثالث: في أبعاد تطبيق المادة 534 في المنظومة القانونية الاجتماعية اللبنانية:

في هذا القسم، سأسعى بداية إلى تحديد أبرز الانعكاسات الناجمة عن تطبيق المادة 534. فإذا تم ذلك، أمكن فيما بعد إبداء اقتراحات لتحسين الأداء القضائي في هذا الاتجاه.

نبذة أولى: في أبرز الانعكاسات الناجمة عن تطبيق المادة 534:

في هذا المجال، سأتناول تباعا أبرز الانعكاسات الاجتماعية الناجمة عن تطبيق المادة 534.

فقرة أولى: في أبرز الانعكاسات الاجتماعية:

1- فتح الباب أمام التعرض للخصوصية:
بالطبع، تشكّل المادة 534 بحد ذاتها تعرضاً للخصوصية طالما إنها تؤول إلى تجريم علاقات حميمية أو جنسية معينة بين أشخاص راشدين. لكن عدداً من الأحكام الصادرة على أساسها أظهر توجهاً مقلقاً نحو التوسّع في التعرض لهذه الخصوصية.
فالقضاء بدا أحياناً وكأنه ميال إلى التوسّع في تعريف «المجامعة خلافاً للطبيعة» بحيث تشمل العلاقات بين النساء وأيضاً العلاقات الغيرية بواسطة الشرج. كما بدا ميالاً أحياناً إلى معاقبة الميل أو الهوية الجنسية بمعزل عن إثبات فعل جرمي معين.
وكذلك الأمر بخصوص كيفية تحريك الدعوى العامة: فقد آل أحد الأحكام إلى إيلاء الأهل حق الادعاء ضد أبنائهم الراشدين، بما يشبه دعوى الحسبة. كما أن النيابة العامة أبدت تساهلاً كبيراً في تحريك الدعاوى العامة، على أساس إخبار أو وشاية أو شكوى أو وشاية كما تقدّم ذكره بمعزل عن أي دليل جدّي. والواقع أن هذا التساهل يفتح باباً واسعاً أمام سلطات الملاحقة للتحرش بخصوصيات الناس.
كما نلمح التوجه نفسه بشأن وسائل الإثبات المعتمدة. وهذا ما نستشفه من تقارير الأطباء الشرعيين، حيث درجت عادة فحص أشكال الشروج ومدى قابلية القضبان للانتصاب! كما نستشفه من اعتماد رسائل غرامية خاصة تم اعتراضها أو صور ملتقطة من دون إذن أصحابها في مكان خاص، أو أيضاً اعتماد بعض التصرفات كقرائن، كتشبّه رجل بالنساء أو أن اتخاذ ظروف الالتقاء كدليل على التوجه المثلي أو أيضاً اعتماد وشاية الشريك على شريكه كاثبات على حصول الفعل.

2- فتح الباب أمام ابتزاز المثليين:
وهذا ما يتحصل بشكل خاص من العادة الآيلة إلى استجواب الأشخاص عمن مارسوا الجنس معهم أو مطالبتهم بتدوين أسمائهم على ورقة. كما يتحصل من توسع النيابات العامة والقضاة في التعرض للخصوصية في أي من وجوهها المبينة أعلاه، ولا سيما في حال التساهل في تحريك الدعوى العامة على أساس إخبار أو وشاية.

3- تقليص الحماية القانونية للمثليين:
وهذا ما يتحصل من وضعية المثليين كخارجين عن القانون. فماذا يحصل في حال تعرض المثلي لسرقة أو اعتداء جسدي من شريك له؟ وما عساه يكون حال شكواه؟ وألا يخشى أن يتحول عند اللجوء إلى الأجهزة الأمنية من موقع المعتدى عليه بسرقة أو ما شابه إلى موقع المدعى عليه بجرم المادة 534 كما ظهر بوضوح من خلال أحد الأحكام موضوع الدراسة؟ ثم إلى أي درجة أمكن حماية كرامة الأشخاص المثليين واعتبارهم إزاء الذم بهم إذا شكّل موضوع الذم جرماً يلاحق عليه؟

4- الانتقائية:
هنا نجد السيئة الأكثر حضوراً. فكما بيّنّا في بدء هذا البحث، تظهر الانتقائية فاقعة في هذا المجال. فأياً يكن عدد الملاحقات، فمن المؤكد أنها تطال عدداً قليلاً من الأشخاص الذين يقيمون علاقات مثلية.
وأكثر ما يلفت في هذا الصدد هو أن الملاحقة تطال العلاقات السرّية، أكثر مما تطال العلاقات العلنية أو العلاقات المنظمة. فملاحقة العلاقات المثلية تطال، وفق الأحكام التي تّم درسها بالدرجة الأولى، تصرّفاتٍ وإيحاءاتٍ جنسية قام بها البعض في أماكن عامة مقفرة وهم يتوجسون السترة، وغالبا اضطراريا لافتقارهم إلى أماكن خاصة؛ فيما تبقى الأحكام خلوا من أيّة ملاحقة لأشخاص يقرّون علانية بهويتهم المثلية – كما يحصل غالبا من خلال الإعلام أو أيضاً جماعيا من خلال إنشاء جمعيات أو أيضاً التظاهر- أو يقومون بتصرفات وإيحاءات جنسية مثلية في أماكن عامة مفتوحة للعامة، كالمطاعم والملاهي الليلية أو أيضاً على شبكة الإنترنت ألخ...
وإذا أخذت هذه الانتقائية في الغالب طابعاً طبقياً واضحاً، بحيث تطال الفئة الأقل حظوة، فان تحليل الأحكام يظهر من جهة أخرى أن سيف الملاحقة يبقى بشكل أو بآخر مصلتا ضد المثليين كافة، وان ندر استعماله خارج هذه الفئة. وهذا ما نستشفه بشكل خاص من مباشرة الملاحقة على أساس الوشاية واستحضار الأسماء أو الإخبار.
وإزاء هذه المعطيات، نجد واقعا محيرا: فكيف يمكن فهم تقاعس النيابات العامة عن التحرك إزاء مظاهر المثلية الأكثر وضوحا ولا سيما في ظل التوسع في تحديد شروط الملاحقة على أساس المادة 534 كما سبق بيانه؟ فلو اقتصرت الملاحقة على الحالات الأكثر علانية، لأمكن القول أن الانتقائية ترمي إلى حماية المجتمع إزاء مشهدية المثلية التي تبدو بمثابة انقلاب على الموروث أو استفزاز للمشاعر المحافظة وأنها تهدف إلى إرساء اتفاق غير معلن بين الدولة وأصحاب الميول المثلية مفاده إحجام الأولى عن الملاحقة لقاء التزام هؤلاء بالسترة. أما وأن النيابة العامة تحجم عن ملاحقة المشهدية الفاقعة لتتخذ بالمقابل إجراءات استقصائية لفضح تورط حفنة من الأشخاص، كأن تُخضع أشخاصاً للفحص الطبيّ دون أيّة مراعاة للخصوصية بناء على ادعاء البعض بممارسة الجنس معهم، فذلك يسمح باحتمال تفسيرات عدة تتكامل فيما بينها:
الأول، أن قرار الملاحقة هو في العموم نتاج عوامل ظرفية خاصة بكل قضية، وهي تتصل إما بتوجهات الدوريات الأمنية أو النيابات العامة وإما بالناس المعنيين أو محيطهم المباشر، من دون أن يكون للسلطات الرسمية أي سيّاسة جزائية في هذا المجال. وهي إذا دلت على شيء، فعلى تفاوت مجتمعي بشأن مدى ملاءمة ملاحقة العلاقات المثلية مع ما يسبب ذلك من فضائح.
الثاني، أن الامتناع عن ملاحقة مظاهر المثلية إنما يهدف ربما إلى تفادي الملاحقات التي من شأنها أن تولد ضجيجا إعلاميا واسع النطاق. وبذلك، تظهر النيابات العامة وكأنها تخشى «مشهديّة» الملاحقة أكثر مما تخشى «مشهديّة» العلاقات المثليّة.
الثالث، أن إبقاء النص وتالياً احتمال التجريم قائمين إنما يهدف إلى إبقاء المثليين في وضع هش، فكأنما حريتهم هي بمثابة «منّة» من النظام القائم. وإذا ذهبنا أبعد من ذلك في التحليل جاز لنا القول بأن الانتقائية المعمول بها على النحو الذي تقدم تتبدى أكثر ارتباطا بتوجهات النظام القائم ونظرته إلى المواطنية لجهة المحافظة على القيم الاجتماعية الموروثة التي تبدو إذ ذاك أقرب إلى حجة لتجريد فئة من المواطنين من حقوقهم المكتسبة أكثر مما هي هدف بحد ذاته.

5- التصادم بين المثليين والدولة:
بنتيجة ما تقدم، من الطبيعي أن يشعر المثلي أنه في حالة تصادم مع الدولة التي تجرم العلاقات الحميمية الأكثر ملاءمة مع ميوله، علما أن حال التصادم تزداد حدة بقدر ما تزداد قناعة المثلي بمشروعية هذه العلاقات وبالطبع بقدر ما يزداد عدد الدول، ولا سيما الدول المحيطة بلبنان كتركيا وقبرص، التي تبيحها. ففي ظل توجهات كالتي يشهدها العالم حاليا، من الطبيعي أن يصبح المثلي الذي يتمتع بالحد الأدنى من إمكانيات الاطلاع والمعرفة، أقل استعدادا لقمع مشاعره توخياً لرضى البيئة التي يعيش فيها، بل هو أكثر ميلاً إلى التعبير عن مشاعره وحاجاته سواء في بيئته حتى ولو أدى ذلك إلى تهميش ذاته أو في بيئة أخرى ينزح أو يهاجر إليها.

فقرة ثانية: الانعكاسات القانونية:

من أبرز الانعكاسات القانونية التي نستشفها من الأحكام القضائية في هذا المجال نذكر ما يلي:

1- المساس بمبدأ «لا عقوبة دون نص»:
هنا، يجدر التذكير بما أوضحناه سابقا لجهة أن العبارات الواردة في المادة 534 لا تتناول مجامعة محددة بل تتناول المجامعة التي يجوز وصفها على أنها «مخالفة للطبيعة». وتالياً، فإن وضوح النص الجزائي يبقى وقفاً على مدى الاتفاق على تعريف «الطبيعة» وما يخالفها: فإذا اتسع الخلاف بهذا الشأن كما هي الحال منذ عقود بدليل التحولات الحاصلة على صعيد منظمة الصحة العالمية بشأن تقويم العلاقات المثلية، جاز التساؤل جديا عن مدى توافق أية ملاحقة تحصل على هذا الأساس مع مبدأ «لا عقوبة دون نص».
ولا يرد على ذلك بأن إرادة المشرع لجهة تجريم العلاقات المثلية تحت غطاء «المجامعة خلافا للطبيعة» كانت واضحة عند وضع النص، وذلك لسببين: الأول أن ادعاء ذلك غير صحيح ولا سيما فيما يتصل بالعلاقات المثلية بين نساء أو بالعلاقات الغيرية بواسطة الدبر كما بينا أعلاه، والثاني أن صياغة النص على هذا الوجه تسمح بل تدعو إلى إعادة التفكير في الأفعال التي يشملها على ضوء تغير مفهوم «الطبيعة». هذا عدا عن أن النص وضع في فترة الانتداب.
أولاً- المساس بمبدأ المساواة أمام القانون:
وهذا الأمر بين واضح بفعل الانتقائية التي يصعب بالواقع تبريرها بأي معطى قانوني واضح كما سبق بيانه. ويكفي لتبيان ذلك مقارنة ملاحقة شخص ما على أساس الوشاية بالتقاعس عن ملاحقة الأشخاص الذين يظهرون للعيان متمسّكين بحق التعبير عن ميولهم وحاجاتهم.
ثانياً- المساس بمبدأ التجريم عند الضرورة:
وبالفعل، فان تجريم فعل ما لا يكون مشروعا إلا عند توفر الضرورة. وبالطبع، يصبح توفر هذا الشرط أكثر إلحاحا في حال أدى التجريم إلى انعكاسات اجتماعية سلبية كالتي تم استعراضها أعلاه. فما هي هذه الضرورة التي تبرر انتهاك الخصوصية والانتقائية والتمييز ضد مواطنين إلى حد التهميش أو التهجير وتعريضهم للابتزاز والاعتداء دون حماية؟
وما هي المخاطر الجمة التي يبدو التجريم ضروريا للتصدي لها ومنتجا في تحقيق ذلك؟ بل ما هي فاعلية هذا التجريم في بلد منفتح على الخارج، وبشكل خاص على الدول الأوروبية، والتي كلها باتت تعد إباحة هذه العلاقات نتيجة أولية للمبادئ الديمقراطية؟ وبشكل أكثر تحديدا، ما هي الضرورة التي تفرض ملاحقة مثليين على أساس الوشاية في ظل تسامح شبه رسمي مع المشهدية المثلية السائدة؟
وتبعا لما تقدم وللأسئلة المطروحة والتي يبقى بعضها أكثر بلاغة من أي جواب، جاز الانتقال إلى استشراف أفضل الطرق الآيلة إلى مجابهة مفاعيل هذه المادة وانعكاساتها مستقبلا أو التخفيف منها.

نبذة ثانية: ما العمل؟

في هذا الصدد، سأحاول استشراف الخطوات التي يمكن أن تؤدي إلى تعزيز التسامح إزاء العلاقات المثلية في المجال القانوني. ولعل أبرز ما نستشفه في هذا البحث هو ضرورة إيلاء المحاكم اهتماما خاصا، ليس فقط بهدف الإحاطة بكيفية تطبيق المادة 534، إنما أيضاً انطلاقا من مقاربة القضاء كمسرح لعرض القضايا الاجتماعية وكأداة إصلاحية ذات فاعلية نسبية بالغة الأهمية في القضايا الحساسة، كما هي حال مجمل القضايا التي تلتزم بشانها الطبقة السياسية الموقف الرسمي أو على الأقل الصمت محاباة للقيمين على الطوائف أو أيضاً لمشاعر فئات ذات وزن سياسي أو اجتماعي معين. والأمثلة على دور القضاء في هذا المجال كثيرة، آخرها عهدا التوجهات الاجتهادية في مجال حماية الطفل المهدد بالخطر150 أو أيضاً مجال حقوق المرأة151. ومن هذا المنطلق، وكما أشرنا في مقدمة البحث، يشكل ردم الهوة بين عالم الملاحقات القضائية وعالم المداعاة بهدف حماية المثليين وتعزيز حقوقهم مدخلا أساسياً يزداد إلحاحاً يوماً بعد يوم. ومن أبرز المقترحات في هذا المجال:
1- الاستمرار في توثيق أعمال القضاء وتحليلها:

وهنا، أستعيد أيضاً التمنّي الذي عبّرت عنه أعلاه، بحيث يبقى هذا البحث حياً. والفائدة من ذلك بديهية. فعدا أنها تسمح لنا بتوثيق الواقع تمهيدا لفهمه، فإنها تشكل مدعاة للقضاة للتعامل مع القضية المطروحة أمامهم باعتبارها قضية ذات انعكاسات اجتماعية هامة. كما أن الاستمرار في ذلك يسمح لنا بقياس مدى التطور أو التحول وتاليا مدى تأثير الجهود المبذولة في هذا المجال.

2- السعي إلى تعزيز الخطاب الحقوقي داخل أروقة المحاكم:
خلافا لما هو سائد حاليا، يجدر العمل على صياغة خطاب حقوقي من شأنه إبراز الانعكاسات الاجتماعية والقانونية في مناسبة الملاحقات على أساس المادة 534. ومن أهم الأعمال الممكن القيام بها في هذا الاتجاه الآتية:
أولاً- نشر المعرفة القانونية والطبية والتقنية في هذا المجال. وهنا، نسجل مثلا نقصا هائلا في الفقه في هذه المسألة رغم أهمية الإشكاليات الناجمة عنها، على اكثر من صعيد. كما ثمة فائدة في متابعة تطور القوانين وأعمال المحاكم الأجنبية في هذا المضمار.
ثانياً- إعداد مرافعة نموذجية تتضمن مجمل الدفوع المنتجة في ملاحقات مماثلة. ومن أهم هذه الدفوع، الانعكاسات القانونية والاجتماعية المشار إليها أعلاه، وبشكل خاص السوابق الصادرة عن محاكم أجنبية والآيلة إلى استبعاد التجريم في هذا المجال، لما في ذلك من تأثير في إقناع القضاء اللبناني بضرورة السير في هذا الاتجاه. وقد يكون من المفيد أن يتم نشر المرافعة المذكورة في أوساط المحامين والقضاة على أوسع نطاق ممكن.
ثالثاً- إعداد جلسات تحاورية مع مجمل الهيئات والأشخاص المعنية بالملاحقات القضائية، وعلى رأسهم المحامين والقضاة والنيابات العامة والضابطة العدلية.